تحقيقات وملفات

باريس تحت صدمة الإرهاب الدواعش

باريس تحت صدمة الإرهاب الدواعش

فواد الكنجي

تبنى تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) الاعتداءات الإرهابية على مدينة باريس ليل الجمعة 13 – تشرين الثاني 2015 والتي خلفت ما لا يقل عن 132شهيد وإصابة نحو 352 بينهم 99 في حالة الخطر.
حيث قام ثمانية من الإرهابيين الدواعش ملتحفين أحزمة ناسفة وبنادق رشاشة باستهداف مواقع منتخبة في قلب العاصمة الفرنسية (باريس) مستهدفين ملعب( دي فرانس) إثناء مباراة كرة قدم بين فريق ألمانيا وفرنسا .. ومركز( باتاكلون) للمؤتمرات حيث تجمع المئات من المشتركين والمحتفلين .. وأهدافا أخرى في المنطقة العاشرة والحادية عشرة والثامنة عشرة .. فتزلزل باريس والعالم اجمع بهذه الجرائم الشنيعة ضد المدنين الأبرياء وضد عاصمة النور والثقافة والجمال .
هذه التفجيرات والهجمات الإرهابية تكشف عن حجم الخطر الذي تشكله الدولة الإسلامية داعش على العالم اجمع وليس على منطقة الشرق الأوسط فحسب، والتي أعلنت مسؤوليتها عن التفجيرات، ليؤكدوا للعالم بإمكانياتهم المادية والمعنوية العالية وبمدى تغلغلهم في أوساط الشباب الإسلامي في أوربا والعالم ونجاحهم في ادلجتهم وتجنيدهم في خدمة مخططاتها الإرهابية.
ومن هنا تأتي أهمية وضع إستراتيجية متكاملة لمعالجة الأسباب التي أدت إلى ظهور الدولة الإسلامية( داعش) والجهات التي مولتها وأكسبتها هذه القدرة والخبرة و أمكنتها في تجنيد وتنفيذ أفعالها الإجرامية خارج منطقة الشرق الأوسط .
وحينما نتوغل في عمق هذه القضية سنجد بان الحلف الأطلس ( ناتو) ذاته هو الذي يغذي هذه المنظمة الإرهابية، لتحصد فرنسا ثمرة أخطائها باعتبارها من دول الحلف والمؤسسة له، فرنسا التي طالما مولت فصائل هذا التنظيم في مدينة (الرقة ) السورية وجاهرت علنا وعملت ليل نهار وبكل ما في وسعها من اجل تغير سلطة الدولة في سوريا بدس المؤامرات وتمويل المعارضة لإسقاط النظام كما فعلت في (ليبيا) وكما عملت أمريكا في العراق ، وهو عمل سافر لفرنسا والدول الغربية التي لطالما تحاول التدخل في شان الداخلي لدولة المنطقة وعبر حلف ناتو(منظمة حلف شمال الأطلسي( الذي يعتبر الممول الرئيس ماديا ومعنويا وتوجيهيا لتوسع نفوذ الإرهابيين الدواعش في المنطقة لينفذوا جرائمهم على الأبرياء في سوريا والعراق بغية رسم خارطة جديدة لتقسيم المنطقة، والتي راح ضحية مخططاتهم الإرهابية ملاين من أبناء الشعب السوري والعراقي والعربي .
فباريس التي ظلت تكيل شعوب منطقة الشرق الأوسط بمكيالين كما فعلت وتفعل أمريكا، فمن جهة تقصف مناطق داعش في سوريا بطائراتهم تحت غطاء دفاعا عن النفس، هكذا أعلن رئيسها (فرانسوا أولاند) عندما ضرب بعرض الحائط الشرعية الدولية وتبنى الحرب الوقائية كسلفه( اوباما) مستندا على قرار في شرعة الأمم المتحدة فسره على مزاجه، فلا هو قضى على (داعش) ولا هو ضمن أمن لشعبه الفرنسي من التهديد الخارجي، وها هو يعلن اليوم مسؤولية تنظيم الدولة الإسلامية في المجزرة التي وقعت في باريس والتي استهدفته شخصيا في ملعب فرنسا اثر تواجده هناك إثناء قيام الإرهابيين بتنفيذ هجومهم ، مؤكدا ضلوع مجموعات من الإرهابيين الدواعش في الداخل الفرنسي في العمليات بتنسيق مع جهات خارجية.
ففرنسا منذ انخراطها في حلف (ناتو) اعتمدت التبعية للقرار الأمريكي في سياستها الخارجية دون أفق أو إستراتيجية لحل مستقبل منطقة الشرق الأوسط الذي يغلي فوق صفيح ساخن حيث اغلب بلدانها تشهد حالة من الفوضى و الاضطراب وعدم الاستقرار والتي لعبت الدول الغربية وعلى رئسها أمريكا وحلفائها دورا قذرا في تغيير الأنظمة بالقوة كما حدث في ليبيا ومصر وتونس والعراق واليمن، فكان لانجرار فرنسا منذ بداية النزاع في سوريا وراء كل ما كان يحدث وما زال، بغية إسقاط النظام القائم في سوريا وتفتيت البلاد وتقسيمها، دون أي محاولة للحوار أو التفاوض مع الحكومة الشرعية، لإخراج البلاد من أزمتها بل تمادت وراحت تفرض العقوبات على الشعب السوري وقيامها بإغلاق سفارتها في دمشق ولم تكتفي بذلك بل راحت تتمادى في استقبال المتطرفين الانفصاليين في الشمال السوري في الخارجية الفرنسية.
هذه التصرفات الغير المسئولة لفرنسا اتجاه دول الشرق الأوسط وتحديدا باتجاه (سوريا)، استمر بشكل ممنهج على مدى أربعة سنوات الماضية لحين استفاق السياسيين في فرنسا على أصوات عوائل من أصل فرنسي تستنجد بالسلطات المسئولة بحثا عن أبنائها وبناتها الذين غادروا للجهاد مع تنظيم الدولة الإسلامية داعش في (الرقة) السورية عبر الحدود التركية وبعد ان تكاثف الإرهابيين الدواعش من عمليات ذبح وقتل للأجانب وبث صورهم بشكل مزدري تقزز العالم من أفعالهم الشنيعة، ومع كل ما ارتكبه هذا التنظيم من جرائم بحق الأبرياء لم يستفق الغرب وما استفاق حتى الآن، ولم يعوا بان آلية الإجرام، على ضوء خطابات الإرهابيين المعادية لهم والذين اعتبروها مجرد دعاية إعلامية رخيصة لا تقدم ولا تأخر من شيء، ولم يحسبوا بان هؤلاء الإرهابيين جادون بما يقولونه وإنهم لا محال سيصلون الى ديارهم أجلا أم عاجلا.
وها اليوم بعد إن استفحلت إرادته و إمكانياته بفعل الدعم المقدم إليهم من الغرب نفسه ومن دول الإقليم، يذق الأبرياء في الشارع الفرنسي ما ذاقه الأبرياء في الشارع العراقي والسوري طيلة الأعوام الماضية، نتيجة سوء تصرف إدارة بلادهم (فرنسا) ليأتيها من كانت تموله في سوريا والعراق لينفذ هجمات دموية هذه المرة ليس فيهما بل على ارض( باريس) بالأحزمة الناسفة والرشاشات ويصبوا جل غضبهم على مناطق الثقافية العريقة في فرنسا لدرجة التي أعلنت الحكومة حالة الطوارئ وأنزلت قوات الجيش إلى الشوارع، وسارعت وفعلت دول الجوار لفرنسا الشيء نفسه.
والجدير بالذكر بان هذه الحلول الأمنية والعسكرية وحالة الاستنفار وحدها لن تحصن العواصم الغربية من هجمات مماثلة، بعد ان تعظم نشاط الإرهابيين (الدواعش )عبر تمويلهم له وتشجيع تجنيد عناصره من أبناء بلدانهم في الغرب والذين كانوا يتقاطرون إلى منطقة الشرق الأوسط مع علم ومعية دوائر مخابراتهم العسكرية والآمنة بما كان يدور .
نعم ان فرنسا أخطأت في حساباتها الخارجية وتهاونت بما يجري في ساحتها الداخلية، ولهذا فهي تتحمل نتائج أخطائها، ولابد من ان الشعب الفرنسي سيحاسب حكومته لأخطاء التي ارتكبتها في تدخلها السافر في شؤون دول الشرق الأوسط ودعمه للمنظمات الإرهابية المتطرفة، فالشعب الفرنسي ليس مستعد لتحمل مزيد من الضحايا نتيجة سوء تصرف حكوماتهم او نتيجة لمجاملات دولية على حساب قيم فرنسية ، فعندما ينتهي الشعب الفرنسي من دفن الضحايا جريمة يوم الجمعة وتقديم العزاء للأهالي الشهداء وإعلان الحداد وتنكيس الأعلام لأيام، ستظهر حتما انتقادات للحكومة وسياساتها وستتم محاسبته وسيطالب الفرنسيين ساستهم كشف ملابسات الجريمة ودوافعها ليطلع عليها الشعب وسيطالب بتوفير الأمن في البلاد والكف من سياسة تدخل في شؤون دول الأخرى كما يفعل الرئيس (فرانسوا هولاند ) وبما تم له من بيع صفقات الأسلحة لجوار السوري والعراق والتي تصل الى يد الإرهابيين في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابية، في وقت الذي يملئ الإعلام الفرنسي بمواقفه المطالبة بالقضاء (الوهمي) على الإرهاب الدواعش في سوريا والعراق في حين يتم بالسر والعلنية تمويل المعارضة الإرهابية في داخل سوريا والتي يصفها في الإعلام بكونها معتدلة …..!
وهنا من حقنا ان نسال: هل للإرهاب وقتل الأبرياء لها حالة من الاعتدال…..؟
فهل الإرهاب الذي اليوم يستهدف فرنسا هو ضمن هذا الاعتدال و حكومة فرنسا هي من ابرز ممولين لهم ….! أم إن له الآن رأي أخر بعد جريمة الإرهابيين الدواعش في قلب باريس …..؟
فرنسا اليوم على مفترق خطير في سياساتها الخارجية والداخلية ولم يعد تفجير الطائرة الروسية المدنية في شرم الشيخ أو تفجير وإعدام وذبح الأبرياء من أبناء الشعب العراقي والسوري على يد دواعش الأوغاد المجرمين حدثا مصورا يشاهده الفرنسيون على التلفاز كحالة عرضية ، هم باتوا اليوم جزءا مستهدفا من هذا الإرهاب العالمي المتمثل بالدولة الإسلامية (داعش) الإرهابية وان مصيرهم أصبح مرتبطا بمصير شعوب المنطقة في الشرق الأوسط ومدى استقرارها، لان العالم هو اليوم اصغر مما نتصوره بحجم التطورات الهائلة في علوم تكنولوجيا الاتصالات وحجم تأثيرها بين الأمم وشعوب العالم اجمع . لان الإرهاب لا يفرق بين الأمم والمذاهب والأديان، وهنا تكمن خطورته الحقيقية، لذا لابد ان تعي فرنسا والدولة الغربية مدى خطورة الوضع القائم في الشرق الأوسط لان انعكاساته لابد ان تصل بلدانهم كما حدث اليوم في فرنسا ، اذا لابد لهذه الدول الغربية ان تغير سياسيتها تغيرا جذريا، وان تتعاطى مع قضايا منطقة الشرق بشكل جدي ومن منظور شمولي وان تباشر بالقضاء على بؤر الإرهاب أينما كان دون إن تتركه ينمو ويكبر كما فعلت إزاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابية، الذي بدا بتنظيم بسيط حتى تركته بل ودعمته ليصبح اليوم اكبر منظمة إرهابية يهدد العالم اجمع، ولابد بادئ ذي البد القضاء علية على ارض سوريا والعراق وفي وقت ذاته نطالب فرنسا والدول الكبرى بنظرة أكثر واقعية وعمقا وابعد مدى للظاهرة برمتها، وليس سياسات رد الفعل قصيرة النظر كما تفعل أمريكا في المنطقة والتي تتعامل وفق مصالحا وتكيل بمكيالين.
فعلى الحكومات الغربية فرنسا وأمريكا وبريطانيا وألمانيا يجب ان تبحث عن حلول جذرية أمنية وعسكرية لمواجهة هذه الظاهرة الإرهابية المدمرة، ويجب ان يتصرفوا وفق المنظور( الروسي ) إلى الإرهاب الذي في عرفهم يجب ان يجفف من منابعه بكل قوة .
وهنا لا بد ان نستوقف قليلا لنذكر المعنيين في فرنسا ما حدث في الأمم المتحدة حينما دعا الرئيس (فلاديمير بوتن) الى موقفه الحازم ضد الدولة الإسلامية داعش الإرهابية في اجتماعات الأمم المتحدة – للأسف – شاهدنا تسارع الرئيس الفرنسي ( فرانسوا هولاند ) في الرد على خطاب الرئيس (بوتن) لإرضاء المملكة السعودية بالدرجة الأولى ومن ثم كل من تركيا وقطر وأردن ، ليخالفه الرأي ويجعل من القضاء على الرئيس السوري أولوية قبل القضاء على إرهاب الدولة الإسلامية داعش وعلى إرهابها…..!
وها داعش ذاتها والتي كان (هولاند ) يدافع عنها بالأمس في الأمم المتحدة تضرب بلاده بكل عنف وهمجية وتنشر الرعب بين أبناء الشعب الفرنسي الأبرياء ليعيشوا أسوء ليالي في ظل حكومة الرئيس (هولاند ).
فان كان تمويل دولة الإسلام داعش – وهي اليوم أمرها لا يخفى على احد – يأتي من تركيا وقطر وسعودية وأردن وأن دور هذه الدول مشبوه في القضاء على الإرهاب وهي دول تتمتع بعلاقات جيدة من قبل دول التحالف بزعامة أمريكا وبعلمها يتم تمويل الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابية في المنطقة، وذلك بعد أن غضوا الطرف عنهم لسنوات عن مطالب العراق وسوريا في إغلاق الحدود مع تركيا إغلاقا محكما ومنع توجه الإرهابيين إلى أراضيهم تطبيقا للقرارات الأممية، ولكن للأسف ظلوا يساندوا و يدعموا الجماعات الإرهابية في الدخول والخروج عبر الحدود تركية العراقية السورية مع أسلحتهم بكل حرية ليتم لهم الاستيلاء على مدينة موصل ورمادي وتكريت وإدلب وجسر الشغور ونصف حلب بغية لتحقيق أهداف الغرب في تغير خارطة الشرق الأوسط و نسوا هؤلاء بان دولهم لن ولن تكون بمأمن مما يصيب الشرق الأوسط .
فما حصل اليوم في باريس من تفجيرات مفجعة تضرب وتقتل العشرات من الأبرياء، ليس صورة غريبة عما حدث ويحدث يوميا من نزيف دموي في العراق و سوريا…! فعلى من نلقي اللائمة، هل نلوم السياسات المتطرفة لرئيس (هولاند ) و (اوباما) وعملائهم في دول إقليم المجاور لسوريا والعراق ….؟ أم على الشباب المجنس المنحرف الذي خدعوا بفتاوى الجهاد من رجال الدين وهم أساسا لا يفقهون شيئاً في الدين، قاموا بتحريضهم ضد سلطات دولة الشرق الأوسط برمته ، ثم انقلبوا بخداعهم ثانية لينقلبوا على أهلهم في فرنسا وربما ما سيقدمون هؤلاء المنحرفين الدواعش من ارتكاب مزيدا من جرائم هنا وهناك في قادم الأيام، ما سيفاجئ الجميع ما لم تتخذ دول العالم اجمع وسائل ردعية استباقية ضد مواقع الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابية وتجمعاتهم والجهات الداعمة والممولة لهم ليتم تجفيف منابع شرهم وطغيانهم ….!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق