فن ونجوم

تاملات في الاعمال الفنان التشكيلي فواد الكنجي

تاملات في الاعمال الفنان التشكيلي فواد الكنجي

((مقالة منشورة في احدى مجلات العراقية
في عام 1984 بقلم – كفاح عبد الرزاق))

• المقدمة
• اسلوبه
• تحليل اعماله
• اعماله في ضيافة ليلى العطار
• فنه والحداث

المقدمة

عرف الفنان فواد الكنجي في الساحة التشكيلية البغدادية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي بكون كل عمالة تم عرضها في قاعات بغداد للفنون التشكيلية وقد تميز الفنان بتقديم اعماله وفق منهج خاص به في البحث عن (قيمة الرمز في الابداع الفني) فاتت لوحاته انطلاقا من هذا البحث .
اسلوبه

جل اعماله المقدمة في المعرض الشخصي الثالث والرابع اتت عبر تخطيطات بالحبر (الاسود ) معتمدا على ارضية الورق الابيض المستخدم في الرسم بقيا 50×100سم تجاوزة اعماله المروضة عن اكثر من 200 لوحة ، فيحاور بين اللونين (الاسود والابيض) بالتظاليل امتددا لدخول الى اللون الابيض او الخروج من مساحة اللون الابيض دخولا الى مساحة اللون الاسود بابداعية تدارج هامونك بين الشكل والوضوع اتت في غاية الروعة مما يندهش المتلقي بتكتيكات الفنان واسلوب المستخدم في التعبير عن افكار اللوحة ومواضيعها الانسانية ، فيرسم الاجساد بتداخل احرف اللغة العربية بعد ان يقوم بمدها وانحنائها وتعريجها وتشكيلها باشكال تتمايل وتستقيم مع امتدادات الجسد تارة وتارة اخرى برموز اشكال تعبيرية، فهو من يمزج الاحرف العربية مع الفن بشكل ابداعي رائع بغية تعبير عن مكنونات نفسه فيقوم بتحدد مناطق الظل والضوء، ثم يدمج اللونين الاسود والابيض اللذين يستخدمهما في كل لوحاته الاخيرة ليؤلف منهما اشكاله التعبيرة، وهو في ذلك لا يتردد أبداً في رسم أي شيء متحرك أو عابر يمر في مخيلته وهو يرسم موضوعاته، والاكثر تكتيكيا، انه يظلل مساحات بعينها لدرجة التي تبدو لناظر اليها .. وكان الاشكال تتحرك في اللوحة ، كما حرص الفنان (فواد الكنجي) في جميع لوحاته على التظليل بدرجات تصاعدية و تنازلية ، ليبرز جانب المضاء كنقطة التركيز لرمز المراد ايصاله للمتلقي ، وهذا الاسلوب والتكتيك جاء لكي يعطي لأعماله بعدا غير محدد بالزمن او المكان ، بكون اعماله تسبر في اغور النفس و في اعمق اعماقها التي ليس فيها اطر محددة بفواصل الزمن والمكان بل هو لا يريد تحديد نفسة وتقيدها باطر الزمان او المكان بقدر ما يرغب التحرر والانطلاق بمخيلته في كل الاماكن وفي كل الازمنة بحاضرها وماضيها وهو يهيم ويسبح في الفضاء لا محدود .. لا مقيد انه يبحث عن الحرية ويعشق الحرية ، وبحثه عنها هي التي تجعله متعلقا بالحياة، فاتت مواضيعه قاسية التعبير لدرجة التي فيها يتجاوز كثيراً عن التفاصيل، فأشكاله التي يعتمد عليها التعبير تنطلق من خلال استخدامه لرموز اكانت في اجزاء الجسد او في الحرف العربي، او في اجزاء المحيط ببيئته الخارجية .. حجاره شفرة .. اقفال .. نوافذ .. نار.. احتراق.. صمبور المياه .. سكين .. ملعقه .. طير.. راس حصان .. مخالب.. مطر.. كتب .. ابر.. نمل ..الخ ، فهذه الرموز لا تخلو اية لوحة من لوحات اعماله المعروضة ، فهو يمضي على عكس تلك الرموز بشكل تعبير عن فكرة يركز على توضيحها بكثير من التفاصيل ، وحين سأل لماذا تستخدم هذه الرموز؟، قال: “..لتأكيد فعل الالم والمعاناة الانسان وخصوصيته بالتفاصيل التي تضنيه في الحياة ..”.

تحليل اعماله

ان ميزة الفنان (فواد الكنجي) واحد من أبرز فناني العراق في الثمانينيات القرن الماضي ،فعندما ترى أعماله الفنية يجذبك بهدوء إلى محيطه دون أن تشعر… فيمتزج إحساسك الشخصي بحسه الفني ويسلب منك بصرك دون أن يعطيك الفرصة للخروج.. واستطاع (الكنجي) من مواليد 1957 عضو نقابة الفنانين التشكليين العراقيين بغداد ،أن يروض الحرف العربي في تقنية اللوحة والرسم التعبيري على نطاق واسع في تركيبة اللوحة السريالية المشبعة بالثقافة العربية العالمية وترك بصماته في الفن العراقي .. فالعناصر التشكيلية التي هي قوام التعبيرية الفنية الموجود أصلاً في الحضارة العراقية السومرية البابلية الاشورية من مصادرها الأولى وانطلاقا بحب الارض عندما ينتشي الفرح ..والحزن .. والإبداع في قلب الفنان (فؤاد الكنجي) حيث الشمس والمساحات المفتوحة الواسعة والفضاء الممتد الى ما لا نهاية على مدارات الضوء في عفوية العشق والوجدان حيث صدى سنوات البراري .. والعشق .. وهيام الروح في بغداد .. ونهرها .. وشوارعها .. وحدائقها .. وازقتها .. حيث هيولي التبدل في إبداعه الفني الذي يحتوي في اعمال (فواد الكنجي) سيرة ومسيرة مبدعنا المحتفى فيه وكأنه المحتوى والمضمون ما بين شاعرية الفن التشكيلي ودور الفن في الواقع واللوحة كمادة في وعي الحضور والقراءة والحماس والصدق وحرارة التجربة التي يعبرعنها الفنان من خلالها إلى حدة العمل الفني والذات، فتجد لوحاته وكانها نبضات شعر فهو قبل ان يكون فنانا تشكيليا هو شاعر مبدع تجاوز دواوينه الشعرية على عشرة دواوين و لم يستخدم في لوحاته الاسود والابيض بدرجة ضوئية واحدة، بل كان يعتمد على التدرج باستخدام تقنيات التنقيط .. والرش .. والخطوط المتقاربة والمتباعده.. والمربعات الصغيرة والكبيرة المائلة والمستقيمة الى غير ذلك من التقنيات التي ذكرناها سابقا والتي اجاد (الكنجي) ابتكارها في التعبير رغم اعتماده على الاسود والابيض ، من دون أن يفقد اللون الاسود خواصه، أي أن لمسته ظلت متوازية مع الموضوع والشكل مكونة من مجموعة درجات اضائية، وكان في رسمه للموضوعات التعبيرية يحرص على أن يكون الرسم دقيقا من الناحية الموضوع والشكل ، ولاسيما المنظور او الشكل ، بكونه هو الذي ياطر جمالية اللوحة كمفهوم محدد بالشكل الظاهري الجميل قبل ان يكون بمفهومه المطلق باتحاد الشكل مع المضمون ، لدرجة التي تنسى بانك امام لوحات رسمت فقط بالاسود … لقد وفر له عمله وفق منهج التعبيرية، الحرية التي حلم بها في رسم معاناة الانسان الغير المحدد بالزمن والمكان ، فسيطر على أعماله الانبهار باللون الاسود والضوء اللذين نقلهما بحساسية عالية وقدرة فائقة من دون أن يتقيد حرفيا بما يرسمه بل ترك لنفسه الحرية بكل ما يأثر و يتاثر به وكانك امام الوان لا حدود لها ، فحرية الحذف والإضافة التي ادخل نفسه في السريالية كونها هي ايضا تغوص بعمق المشاعر في التعبير والرموز ليخدم موضوعه بغض النظر عن القوانين الصارمة التي حكمت الرؤية او مخيلته، هم ما همه ، هو التعبير عن مكنونات النفس وما تعانيه في الحياة ، وهنا يقول فواد الكنجي “…لم يكن اهتمامي باللون الاسود محض صدفه بل اتى من خلال ما كان يتصاعد من حزن وحداد بين افراد المجتمع الذي اعيش في وسطه نتيجة الحروب واستشهداء الابناء دفاعا عن الوطن فامتدت حالة من التصوف والانعزال والعزلة في المجتمع ، فاينما تلتفت ترى لافتة سوداء والتي اخذت تتسع وتاخذ مساحات واسعة من الجدران في الوطن وعلى واجهات البيوت ومداخل الازقة والاحياء وشوارع المدينة وعلى واجهة المحلات .. اضافة الى التعتيم وقطع الانارة من شوارع المدن والاحياء بسبب الغارات الجوية والحروب المستمرة …لذا فان اللون الاسود اصبح علامة في حياة المجتمع برمته وهي التي جعلتني ان اخذ منه رسالتي في التعبير بالاسود فحسب و في كل تلك الاعمال التي قدمتها في المعرض الشخصي الثالث والرابع ليكون نقطة الحوار الشامل للجميع …” هذا الاتجاه في الفن جاء تعبيراً صادقا في طرح الموضوعات وبأسلوب فلسفي خاص بـ(فواد الكنجي) ، وقال عن تلك الفترة من حياته: ” ……لقد نشأت في وطن قدر عليه ان يخوض حرب بعد اخرى فوجدنا الالام ومعانات اناس يفقدون اولادهم وذويهم في الحروب ..جرحى ومعوقين ارامل وايتام .. صور تحطم مشاعر الانسان.. وشاهدنا الفقر والجوع من هول الحصار الذي فرض على البلاد لسنين وسنين طوال … مما حدة الالام في النفس ومن كبوت النفس ومن هم و غم ومن معاناة واحزان لا حدود لها …. فما كان لي وانا ابن هذا الوطن احبه واعشقه حد الجنون.. فما كان لي بما اشاهده واعيه التمسه و اسمعة واقراءه في عيون الناس ….! فكيف لا اعبر عما كان يتصاعد في النفس من حدة الاحتصار…! ففجرت ما في الذات بهذا الاتجاه فاتت الاشكال في اللوحات قاسية من حدة التعبير ، وبما كنت ازيد او أحذف منها كل ما لا احتمل ، لانني اولا واخير ابن هذا الوطن … العراق ، اعيش فيه بفكري بعقلي بوجداني بضميري حرا .. طليقا ..من كل قيد، أكره التقيد بالقواعد والاملاءات ، وكل شيء في نظري جميل حينما يكون وجهه حرا … ورغم صعوبة طرح مثل هكذا مواضيع في تلك الفترة .. ومع ذلك، طرحتها وحضر افتتاح معارضي كبار مسؤولين في الدولة العراقية انذاك وتم تغطية تلك المعارض من قبل كل صحف الرسمية الصادرة انذاك كجريدة الثورة وجريدة الجمهورية وجريدة التاخي وجريدة القادسية وجريدة بغداد ابزرفر الصادرة باللغة الانكليزية و التي اثنت وتعاطفت وكتبت الكثير من الدراسات عنها .. والارشيف غير دليل عن ذلك…. “.
نعم ان (فواد الكنجي) اهتم في لوحاته بالالوان ذات درجات متساويه في الحدة اللونية في الاسود والابيض التي تخرج في لوحاته ، لتعبير يوازي جمالية الشكل بانسجام اللوني بين الاسود والابيض كوسيله يستخدمها الفنان لتعبير وفق موضوع اللوحة مع اشكال اللوحة ، وكما هو معروف أن المدرسة التعبيرية والسريالية والرمزية تعطي للفنانين حرية أوسع في التعبير ، لذا اتجه (فواد الكنجي )الى تداخل اللوني بين الاسود والابيض كجزء من التعبير لترجمة الانفعالات والأحاسيس بكشف جوانبها الأكثر توترا، وأهتم فواد الكنجي كما عرف عنه , بالضوء المتجانس والبناء المجسد فكانت سطوح ألوانه الاسود والايض وتدرجاته التي تتألف وتتداخل التعبير عن الموضوع باستخدام الظل والنور ، رغم كونه لايستخدام القيم اللونية الاخرى التي تقوم على المبالغة في استعمال اللون دون تقييد باللون الأساسي للشئ . بقدر ما اعتمد على الاسود والابيض لتعبير عن بقية اللوان، وكون فواد الكنجي قدم بحث في(( قيمة الرمز في الابداع الفني)) كما جاء في اعماله المقدمة في معرضه الشخصي الرابع في قاعة الرشيد ببغداد عام 1987 م رائدا لهذه المدرسة التي وضع اسسها لتوضيح اراءه وأسلوبه .
فنجد فيها أن الجسد والمعاناة شكلت مفهوما أساسيا في كل لوحاته. وقد كان الفن التخطيط بالاسود والابيض بالنسبة له وسيلة للتعبير عن الروح من خلال الرموز والحروف والأبعاد والإيقاع , لكن يظهر محتواه الروحي إلذي يتطلب من الرسام أن يشير إلى هذا المحتوى بشكل ضمني .

اعماله في ضيافة ليلى العطار

ان عرض اعمال الفنان التشكيلي فواد الكنجي في كبرى قاعات بغداد اتى بكون اعماله هي التي فرضت وجودها لتتعرش في هذه القاعات التي كانت تقتصر لكبار الفنانين العراقيين، علما بان الكنجي حين اقام معرضة الثاني في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث عام 1983 م كان طالبا في جامعة بغداد قسم الفلسفة الحديثة ، ولكن اعمله فرضت وجودها وقد ابدوا كبار الفنانين التشكليي العراقيين حسن التقدير له ، وهنا وفي هذا المقام لا بد من ذكر بان الفنانه التشكيلية الشهيده ( ليلى العطار )التي كانت مديرة المتحف الوطني للفن الحديث في عام 1983 م هي التي حضنت اعمال المعرض الشخصي الثاني والثالث وقد وجدناها اكثر من مناسبة تجول برفقة الفنان( فواد الكنجي ) في قاعة عرض الاعمال يتحاوران ويتنقشان بشان المواضيع واسلوب وطريقة رسم الاعمال المقدمه ، وقد ذكر لنا فواد الكنجي ” … بان (ليلى العطار) وقفت كثيرا تسألني عن اسلوب و طريقة التي عملت بها في حركات التخطيط التي تظهر الوحة وكانها تتحرك .. كانت مندهشة ومذهله بما تشاهد في هذا العرض، وقلت لها بانني الان اعد اعمال اكثر حداثة مما تشاهدنه هنا فقالت :
-“قد جعلتني اشتاق لروئيتها وحقيقة اود ان ارى المزيد من هذه الاعمال لانها في قمة التعبير ، ولا اخفيك القول بانني في الصباح حينما انهي من الاعمال الادارية اتي الى قاعة العرض لاتامل لوحاتك .. فانها حقا تاخذني الى عالم اخر يحفزني الى ابتكار فكار لاعمال او انجازا او الشروع فيها ”
فقلت لها
– بان كلامك هذا هو شهادة تقديرة اعتز بها
وقالت :
-“انا حقيقة وانا صرحة مع نفس ..رغم انني التقي بك لاول مرة، ولكن احس من خلال اعمالك وحديثك معي بانني اعرفك منذ امد طويل ويسعدني ان نتعرف اكثر فمتى شئت بعد انتهاء المعرض ان تاتي الى المتحف فانا موجدة هنا بحكم وظيفتي ”
فقلت
– شكرا فانا يشرفني ان اتعرف الى اكبر فنانة في البلد فضحك وقالت :
-“هذا من حسن تقديرك ”
قلت
– انا لا اجامك ولكن ليس هناك من في العراق لا يعرف ليلى العطار فقالت :
-“بشان ما قلته بانك تعد لمعرض الجديد اين تفكر في اقامته”
قلت
– انا كما تعرفين لا املك حق اختيارالقاعة لان الامر يعود الى دائرة الفنون التشكيلية والحجوزات ، ولكن لو خيروني لاخترت قاعتك بكل تاكيد فقالت :
– “بانها ستسعد كثيرا بان اتي اليها بعرض اعمال جديدة، وانها يشرفها ان يكون العرض في قاعة المتحف الوطني مرة ثانيه …” وفعلا فان الفنان فواد الكنجي حين عاد في شباط من عام 1984 م ليقدم معرضه الشخصي الثالث وجدناه مقام ايضا في بناية (المتحف الوطني للفن الحديث – بغداد ) التي كانت( ليلى العطار)ما تزال مديرة للقاعة انذاك ، وقال فواد الكنجي ” .. قابلت ليلى العطار رغم انني بع انتا العرض لمعرض الشخصي الثاني كنت اتى الى المتحف كما كان هناك عرض لاعمال فنانين التشكليين فكنت اتعرج الى غرفة الادارة واطلب من الحارس رغبتي بمقابة ليلى العطار فكانت على الفور تاذن لي بالدخول حتى انها قالت للحارس: “كلما اتى فواد الكنجي تدخله فورا ” وفعلا دارة بيننا نقاشات كثيره في شتى المواضيع، وبعد ان اتممت اعمالي الفنية وجهزت للعرضها قابلت ليلى واخبرتها بنيتي في اقامة المعرض الشخصي الثالث .. ففرحت كثيرا وقالت :
– “ان مولعة لروئية الجديد من اعمالك “… وانا جالس في غرفتها رفعت الهاتف واتصلت بدائرة فنون التشكيلية وزارة الاعلام ورتبت كل شئ … فقلت لها :
– هل سيكون العرض هنا في المتحف الفني
قالت :
– “نعم … وعليك الان ان تذهب الى دائرة فنون التشكيلية وتتفق معهم على موعد الافتتاح .. وانا ساتصل بوزارة الاعلام اجهز لك ليوم الافتتاح ….
وفعلا كان يوم افتتاح المعرض الشخصي الثالث يوم رائع …فقد حضر افتتاح المرض الاستاذ (الدكتور سعدون حمادي) من ابرز قيادي في الدولة العراقية انذاك وكان بجانبه مدير دائرة التوجيه السياسي الاستاذ (عبد الجبار محسن) والفنان التشكيلي العراقي المعروف الاستاذ ( اسماعيل الشيخلي ) اضافة الى الفنانه الغاليه (ليلى العطار) التي كان لها فضلا كبير في توجيه دعوة حضور افتتاح المعرض لكل الجهات العلامية في بغداد والسفارات الغربية في بغداد، وفعلا كان الاعلام العراقي برمته حاضرا في القاعة وعدد كبير من العاملين في السك الدبلوماسي في السفارات الغربية فتم تسليط الضوء على اعمال المعروضة في الصحافة العراقية بشكل ملفت واحسست بانني في كرنفال مهيب… تلك اللحظات لن انساها مطلقا .. ولن انسى (ليلى العطار) في ذلك اليوم، والايام التي تلت العرض ، علما بان العرض تم تمديده بطلب منها لحجم اقبال الجماهير الى القاعة وكانت تتابع العرض منذو ساعات الاولى لافتتاح ابواب المتحف وحتى نهاية العرض الذي كان يستمر لغاية الساعة الثامنة ليلا، وكم كانت احاديثا معي شيقة بطبعها الهادي واناقتها التي لا توصف اذ وانا خلال وجودي اليومي في بناية المتحف الوطني للفن الحديث في باب الشرقي وبما زاد عن عشرين يوما لم اجد ليلى اعادة ارتداء ملابس سبق ان ارتدها، فكل يوم كانت تاتي بزي انيق جمل من سابقه فنتحاور ونناقش.. فليلى العطارصوتها هادي وحينما تتحاور تتحاور باسلوب شيق لا تكاد ان ترفع نضرك من سيماء وجهها وعيونها الواسعتان في غاية الجمال و كانت ليلى بمعرفة واسعة لحجم خبرتها الطويلة بكونها فنانة تشكلية مارست احترافها منذ امد بعيد فكان لها المام بمداس الفن والفلسفة بشكل واسع فكان تتحدث عن اعمالها واسلوبها فتعرض لي نماذج من اعمالها من خلال كراسات التي نشرت لوحاتها ونمضي بالحوار بشتئ مواضيع الفن فياخذنا الوقت ولا نحس الا حينما ياتي حارس مبنى ليقول: هل اقفل ابواب فكانت تضحك وهي تلتف على الساعه قد اخذنا الوقت وتنهض فتقول ساراك في الغد … وهكذا .. للاسف وانا اذكر تلك الايام و سيماء وجهها وعيونها يحز في نفس الم فراقها فليلى كانت لي استاذة وصديقة واخت عزيزه والاسف اغتالوها الاوغاد الامريكان وهي في عز شبابها ومجدها .. اغتالوها بجرم غادر ليقطفوا من الوطن علم من اعلام الفن العراقي يصعب تعويضها ولكن ستبقىى في نفوسنا وفي ذاكرة الوطن خالدة ( رحمها الله )…!
واعود الى يوم الافتتاح حيث قلت لاستاذ اسمعيل الشيخلي كيف وجدت العرض فقال “…من اين اتيت بهذه الافكار الفلسفية …قلت له باني طالب في كلية الفلسفة قال : “انا مع الاستاذ سعدون حمادي ونحن نتامل اللوحات قلت له : يبدو صاحب هذه اللوحات والافكار المطروحة يقف على خلفية ثقافة واسعة فرد : يبدو كذلك …” ومن ملفت بان الاستاذ (سعدون حمادي ) وقف امام احدى لوحات متاملا فيها بما تجاوز ربع ساعه ولا ادري بماذا انعكست تلك اللوحة في مشاعره وقد سجل في سجل الزائرين كلمة اعتز بها وهي موجودة معي … اضافة الى حظور عدد كبير من الاعلامين واساتذة وجمهور غفير ..”

فنه والحداث

هذا المعرض حقا كان يمثل اتجاها من اتجاهات الفنون الحديثة في فن التشكيلي العراقي ، وتعد اعمال فواد الكنجي ملخصا لاطروحات فنية فهو شبيه بالشعر أو النثر الذي يتضمن معاني كثيرة وكل شخص يتذوقه ويفهمه كما يحلو له وهو يعكس ما بداخل الفنان وأحاسيسه ليظهره لنا في أعماله الفنية، والفنان فواد الكنجي ككل أعماله تندرج تحت المدرسة الحديثة، لقد شكلت التعبيرية والسريالية والرمزيه اتجاهه بصفتها الاكثر واقعية وتعبيرا لما كان يعانيه الشعب العراقي في تلك الفترة .
فالكنجي يأخذ من الرمز المعنى.. ومن التعبيرية الاحساس.. تلك الأحاسيس التي يفجرها بسريالية مشرقة وبعاطفة متوهجة،
إن اعمال واطروحات الكنجي تحمل إيماءات إنسانية بضرورة الانتصار على القسوة والتلاشي والضياع .. وتتمثل هذه الإيماءات عبر الحرية المطلقة التي تساعده على اختراق جحيمه الداخلي وضغوطات الحياة ، لوحات كثيرة رسمها الفنان التشكيلي (فواد الكنجي) تتضمن مفهوم الحب بكافة تجلياته.. الحب في محاريب الحنين والوجد.. والحب في محاريب الألم والقلق والحزن.. كل ذلك في متاهات الحياة, وفي غمرة الانشغال بصياغة مفهوم بصري مختلف وبحث تشكيلي يحاول أن يكون مميزا وحديثا, وأن يكون قادرا على الارتقاء بأدواته بما يليق بهذه المنظومة التي تندرج تحت أقواسها العديد من الحالات الإنسانية التي تذهب بين ظلمة الروح واشراقاتها المضيئة، فلوحاته تنساب في فضاءات الحزن وهو يسعى إلى احتواء الذات البشرية وإبراز البعد الداخلي والوجداني وسبر أغوارها التي تتفاوت وتتعدد ملامحها ، حيث تجد كل لوحة معنونة في كراس خاص بالمعرض مكتوبة بمفردة مبسطة تقرب للمشاهد اللوحة التي يراها وتساعده على تذوق جمالها أكثر ويتفاعل معها مهما كان رصيد ثقافته الفنية، فعندما يقف الشخص أمام اية لوحة من لوحاته ويقرأ عنوانها سيسبر وفق هذا المعطي في تفسير اللوحة وحسب ثقافته وهمومه الشخصية يفهمها ويتفاعل معها أكثر ويدخل في حوار شخصي مع ذاته واللوحة التي يشاهدها فتنمو ملكته الفنية ويتحول إلى متلقي إيجابي يستوعب كل الرسالات التي ترسلها له اللوحة والدلالات التي تحملها كل صورة والعوالم التي يرسمها الفنان عن واقعه أو أحلامه أو انفعالاته وإيحاءاته وبالتالي يفهم الواقع الذي يعيش فيه غائصا في الملكوت الفن عبر الخيال الذي يوسع مداركه في اعماق الروح .

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. It’s actually a nice and helpful piece of information. I’m glad that you simply shared this helpful info with us.
    Please stay us informed like this. Thanks for sharing.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق