فن ونجوم

سلفادور دالي و لوركا ، الشذوذ والإبداع

سلفادور دالي و لوركا ، الشذوذ والإبداع

فواد الكنجي

سلفادور دالي 1904- 1989 ولد في إسبانيا بمدينة ( فيغويراس ـ كاتالونيا ) والتي تقع قرب الحدود الفرنسية، وقد ساهم أحد جيرانه وهو (رامون بيشوت) في دخوله إلى عالم الرسم ، ففي السابعة من عمره رسم أولى لوحاته ، واستطاع في مدرسته أن يلفت النظر إلى رسومه التي تنبأت له بمستقبل فنان بارع ، مما دفع بعائلته وأساتذته إلى تشجيعه لدخول كلية (سان فيرناندو) للفنون الجميلة في مدريد، وبعد دخوله الكلية اخذ يتردد كثيرا الى متحف (برادو) فيقضي فيها ساعات طويلة لمشاهدة وتأمل لوحات مشاهير الفنانين التشكيلين ليجد نفسه في مقتبل مشواره الفني أكثر قربا من الفن التكعيبي متأثرا بمفاهيمها، فاخذ يرسم رسوما تكعيبية عندما يعود إلى الأكاديمية للمواضيع التي شاهدها في المتحف، فبرزت رسوماته الأولى بألوان الأبيض والأسود والأخضر الزيتوني والبني الداكن فكانت ألوانه اقرب إلى المسحة الحزينة آنذاك .
وبطبيعة طلبة الأكاديمية للفنون الجميلة لحب البحث والتجديد سواء في الفن أو الأدب، فان موجة التمرد على ما كان سائد، اخذ بعده عند الفنانين والأدباء في أوربا متأثرين بالأفكار يسارية أمثال ( غارسيا لوركا) و (يوجينو مونتير) و (لوبيل بونويل) و( بدرو غارفياس) وسرعان ما انضم (سلفادور دالي) إليهم بتأثره الكبير بـ( لوركا ) المولود في ( فوينتي فاكيروس بغرناطة عام 1898)، حيث كان تربطه مع (لوركا) صداقة حميمة وصلت الى حد الارتباطات الشاذة فيما بينهما. وقد حضي دالي اهتمام بين أفراد ذلك الجيل فاحتل مركزا مرموقا فيما بينهم، نتيجة تأثره واندفاعه نحو الحداثة، ورغبة منه لإثارة اهتمام الطلبة الأكاديمية بإبداعاته وجنونه، فقد قام دالي – ذات مرة – بإفراغ أكياس عديدة من (الجص) في وعاء كبير ومن ثم يعود فيصب فوقه كمية كبيرة من الماء لتغمر أرضية القاعدة بطبقة من سائل الجص الأبيض الذي بدأ ينساب إلى خارج القاعة حتى وصل السيل إلى الممرات الداخلية للأكاديمية، ودون اكتراث بالأمر شق (دالي ) طريقه فوق الجص نحو المخرج ليلتفت إلى الوراء لمشاهده جمال الطبقة الجصية وهي تجف بسرعة وتترك خلفه اثأر حركات اقدامه فوقه ، وسرعان ما جلب اهتمام الطلبة والأساتذة الأكاديمية حول الأفكار الغريبة التي يطرحها دالي مما ذاعت شهرته بسرعة البرق بين الأدباء والفنانين، ومما أذاع شهرته أكثر حين تم معاقبته بفصله لعدة أشهر من الأكاديمية ومنعه من متابعة دروسه فيها لأنه دافع بحرارة عن أحد أساتذته اليساريين مما أثار غضب إدارة الأكاديمية، وبعد فصله المؤقت من الأكاديمية ذهب إلى مدينة (فيجويراس) وهناك تم إلقاء القبض عليه بسبب أفكاره الثورية وظل في السجن لمدة شهر ثم أطلق سراحه، بعدم عثور المحققين على أدله تثبت اشتراكه في إثارة الرأي العام ضد الحاكم الملكي المستبد في إسبانيا، وبعد انقضاء مدة إبعاده عن الدراسة في الأكاديمية في مدريد عاد إليها ليستعيد شهرته بعد أن أخذت الصحافة تتحدث عنه وهذا ما دفعة لظهور في المقاهي الفنية ويشترك في النقاشات الفكرية الحامية حول الفن والأدب والنساء والجنس والخمر والعربدة واللامبالاة .
وفي هذه المرحلة بالذات سلط الكاتب( ألبير بن سوسان) الضوء عن الكثير من تفاصيل حياة (سلفادور دالي) وعن علاقاته وبعض تحولاته الرئيسة ، و التي تمثلت تحديدا في ارتباط دالي بـ( غالا ) التي تزوجها لاحقا والتي على أثرها ابتعد عن لوركا، حسب( الحوارات) التي ذكرها الكاتب الفرنسي ( آلان بوسكي )عن محاولات (لوركا ) الرامية إلى رغبته في امتلاك دالي، ويعرض الكاتب هذه (الحوارات) بالاعتماد على رسائل( لوركا) ونصوصه الشعرية التي جمعها والتي توضح وتشير إلى العلاقة التي جمعته بـ(مارغاريتا مانسو) صديقة (سلفادور دالي) وزميلتهما في الأكاديمية بمدريد والتي أقدم ( دالي) حسب اعترافاته بأنه قدمها كقربان جنسي لصديقه لوركا ، ويبدو من خلال هذا النص حجم العلاقة الوثيقة التي وصلت بين الشاعر والرسام أثناء وبعد مرحلة إقامة الطلاب في مدريد والتي كانت شاذة وتخللها رفض أو تمنع اللواط معه ثم الركون إلى التضحية الجنسية من لدن (مارغاريتا) بدل عنه – أي سلفادور – بتأثير الصداقة.
و يتعلق الأمر في هذا الموضوع تحديدا بالنص القوي و بشهادة تاريخية تتضمن بقوة القرائن الشعرية التي أشار إليها الشاعر ( لوركا ) حيث يقول الكاتب( ألبير بن سوسان):
“… إذا كان إلزاما علينا أن نبحث عن الصورة الدالة عن الصداقة التي كانت تصل فيديريكو لوركا وسلفادور، فإنني أمثل لها بلوحة (القبلة ) التي رسمها لوركا والتي فرضت نفسها بقوة، والتي لوحت بطبيعة العلاقة فيما بينهما ، وفي المقابل حضور صورة لوركا في مواضيع لوحات دالي، والتي لم تتوقف حتى بعد وفاته ، حيث مخيلته السريالية رسمت لوركا بإشكال غريبة ومفارقة للمألوف تتميز بوقاحتها وتواريها خلف تنويع فنطاسي زاخرة في كل لوحات دالي في مرحلة سلفادور الـ( كاداكيس).. “.
ومن هنا نستطيع القول بأن( دالي ) بكل أدواة اللغة المشفرة والإشكال الرمزية في (كتباته او لوحاته الفنية ) والتي كانت تواجه صداقتهما قد رغب في الآن نفسه إلى إبراز و إخفاء وحجب النواحي الحسية والشهوات العشقية التي كانت موجودة بينهما، وهنا يمكننا أن نتحدث في هذا الصدد عن نوع من التوحد العاطفي فيما بينهما، كما نجدها في تشكل لوحة لوركا الموسومة (القبلة) والتي تبرز في إظهار الوجهين المتداخلين والملتحمين لـ(لوركا ودالي) معبرة بقوة عن هذا التصوير الإيقوني الذي يوازي التعبير الشعري لكل منهما، ومن الملاحظ ما ينبغي أن نشير في هذا الخصوص إلى أنه إذا كان( لوركا) بالنظر إلى موهبته المتعددة رساما ومصورا، فإن دالي كان يكتب الشعر والنثر أيضا .
نعم لقد رسم لوركا لوحة (القبلة ) عام 1927 وهي السنة التي شهدت أوج صداقتهما، وتترجم اللوحة هذا التوحد العاطفي، إذ أن أحدهما صورة للآخر والعكس صحيح، ولأنهما ينتميان إلى الجنس نفسه، فإنهما متماثلان وقابلان للتغيير، ليس على وجه تقريبي أنا وآخر، وإنما فرد وفرد، وكما كتب لوركا في مسرحيته المعنونة بـ (الجمهور)، وفي غمرة الحوار بين الإمبراطور والشخصية ذات أغصان الدالية، فإن الأول يصرح للآخر وهو يحتضنه:
” ونحن دائما شخص واحد.
ويجيب الآخر قائلا:
إذا عانقتني، فإنني سوف أفتح فمي كي أتلقى رمحك في عنقي “.

هي إذن صورة الوحدة بين كائنين يتشابهان ويكملان بعضهما البعض التي يقوم لوركا بترجمتها في لوحته (القبلة )حيث يتوحد الوجهان وتلتقي الشفاه على شكل جناحي فراشة.
وفي( الحوارات) التي خص بها ( ألان بوسكي) والتي نشرت عام 1960، اعترف( سلفادور دالي) وبنوع من الغرور والتبجح بمحاولات الامتلاك العاطفي التي خاضها صديقه لوركا بقوله:
“.. لقد رغب( لوركا ) مرتين في أن يلوط بي..” .

ومن هذا الكلام لسلفادور الذي يبدو مثل من يريد التبجح والاستعراض وهو ينتشي ويشعر بنوع من الارتياح وهو يسرد هذا الفاصل، بيد أن الأكثر أهمية يتمثل في أنه يفصح لنا عن الطريقة التي قارب بها لوركا الانثى، أي حينما مارس لوركا الجنس لأول مرة مع امرأة ، وبما أن سلفادور دالي لا يرغب أن ينجز الخطوة الأولى ويتحول إلى مثلي جنسي، وقد أسعفته (غالا) وأنقذته في هذا السياق و من هذه المحاولة، لذا فإنه عرف لوركا على إحدى زميلاته في الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة (سان فرناندو- بمدريد ) والتي كانت تحتضن فنانين تشكيليين ونحاتين، وكان من بينهما شخصان سوف يكون لهما تأثير قوي على الشاعر وهما (مارغاريتا مانسو) و(إيميليو ألدارين) .
” ..حيث كانت الرسامة الشابة (مارغاريتا مانسو) تغري زملاءها في الدراسة والذين كانوا معجبين بجسدها بطريقة مقصودة وبأناقتها المغرية، فقد اتخذت مارغاريتا صرعة جديدة لها تتمثل في التخلي عن القبعة وأي غطاء للرأس و الخروج إلى الشارع برأس حاسر، وهو ما كان يعتبر حينها في مدريد فعلا فاضحا، وبابتسامتها المحرضة وحركاتها الدالة على كونها فتاة متحررة، ولم يكن من المستغرب أن يقترح سلفادور عليها لقاء مع لوركا، ولم تكن الشابة في هذا السياق بمعزل عن السقوط تحت تأثير غواية الشاعر، وفي المساء اجتمع (سلفادور و لوركا و مارغاريتا ) في غرفة واحدة من أجل إتمام ممارسة الجنسي مع لوركا الذي طالما رغب لوركا فيه..” .
وقد ترك لنا سلفادور شهادة في الكتاب نفسه الذي يحوي حواراته مع (بوسكي)، وهو كتاب يخرج عن سلوك ولياقة الأدبية بشكل وقح و فوق ما هو مألوف و وارد في الغالب، إلا إذ فكرنا أن سلفادور كما كان يصرح (بأنه مجنون ) ، أو كما كانت تتهمه الصحافة الإسبانية بقولها انه ( فرجة مسرحية في حد ذاته) وإلى الدرجة التي لعب فيها دور المهرج والمضحك، اذ يقول في كتابه هذا :
“…كان فيديريكو لوركا لوطيا – كما نعرف – ومغرما حد الجنون بي ( أي بسلفادور دالي )، وقد سعى مرتين إلى ممارس الجنس معي ، كان هذا الفعل يضايقني كثيرا، لأنني لم أكن لوطيا، ولم أكن راغبا في القبول، وكان هذا يسبب لي بالإضافة إلى ذلك ألما، وكانت المحصلة أن شيئا ما لم يحدث، غير أنني كنت أشعر بالارتياح والرضا من جهة الرفعة، ذلك أنني كنت في أعماقي اعتبره شاعر كبير وأنني كنت مدينا له بثقب مؤخرة المقدس أو الجليل سلفادور دالي، وانتهى به الأمر إلى أن استحوذ على فتاة صغيرة نابت عني في التضحية، ولأنه لم يحظ بثقب مؤخرتي، فقد أقسم لي بأن التضحية التي نالها من الفتاة الصغيرة قد تم تعويضها بتضحيته الشخصية، كانت تلك أول مرة يضاجع فيها أنثى… و ينام لوركا للمرة الأولى والأخيرة مع امرأة، قبل ذلك- وكان ذلك صحيحا- بذل قصارى جهده عبثا في امتلاكي..”.
وفي إحدى رسائل سلفادور دالي أيضا ، يذكر حين عودته من إقامة في (كاداكيس ) في صيف 1927 وفي غمرة توقف قصير بمقهى في برشلونة على شاطئ (الرامبلاس)، أمسك بالقلم ليلتمس الصفح من لوركا عن سلوكه العنيف وغير اللائق حيث يقول :
“.. أعرف الآن ما أفقده بابتعادي عنك،حيث أرغب في أن أبكي، وقد تصرفت مثل حمار منحط حيالك وأنت من يمثل الأفضل بالنسبة لي، ومع مرور الدقائق، أرى بوضوح تام وأشعر بندم حقيقي بيد أن كل هذا لا يفعل سوى مضاعفة حبي لك..”.

ومن خلال هذه الواقعة، أي في المساء الذي شهد لقاءهما في مدريد، نتساءل:
هل داعب لوركا سلفادور دالي..؟
هل كانت المداعبات والملامسات بينهما مألوفة وبريئة ..؟
وحين كانت مارغارينا تخلع ثيابها، هل وقع لوركا تحت غواية هذا الجسد الجميل الذي كان أشبه ما يكون بجسد غلام وبالنهدين الصغيرين اللذين يظهران بالكاد والخصرين الناحلين والروح المرحة، وكانت في الحقيقة لم تغادر طور الطفولة أو كانت بالأحرى مراهقة، إذ لم تكن تتجاوز سن السابعة عشرة…أم إن لوركا فعل ذلك إمام رؤية سلفادور لإيقاعه في غرامه ..؟
فسلفادور المستعد للتضحية من اجل سعادة لوركا وهو في وقت ذاته يرفض اللواط معه ، يضع مارغاريتا تحت جسد لوركا الذي يقوم بالاستحواذ عليها..ليفجر فيها قصائد رائعة
في وقت الذي كان سلفادور يراقب لوركا كيف يمارس الجنس لأول مرة في حياته مع مارغارينا ، حيث يكتب دالي عن هذا المشهد بقوله :
” .. ان شخصية لوركا يتمثل في الرقة القصوى التي أفصح عنها لوركا أمام الدهشة برؤية جسد أنثى حيث راح يمسك بعد الانتهاء من المضاجعة بمارغارينا واحتضنها بذراعيه وقام بهدهدتها ومواساتها والهمس في أذنيها ببضع أبيات من قصيدته الغنائية ثامار وآمون:
“.. آمون الصلب والناحل
وهو يراها من خلال البرج
والإبط عامر بالزبد وتموجات اللحية
عاريا تحت الصفاء الأبيض
يستلقي فوق السطيحة
وهو يشدو بين أسنانه
بصوت رمح يغرس في الأرض..” .

تشكل هذه القصيدة الرائعة ربما أكثر الدعوات الجنسية إلحاحا واستلزاما من لدن الشاعر، وتفصح دون مواربة عن حب الرغبة والامتلاك، وعقب ذلك، أصبح لوركا ومارغاريتا متلازمين و يتجولان في ممرات وحدائق إقامة الطلاب، و الأمر المثير للانتباه أن مارغاريتا كانت زميلة دراسة وصديقة وعشيقة (لأيميليو ألدارين) التلميذ النحات، وكانت هي من أقدمت بتقديمه إلى لوركا بعد فشل العلاقة العاطفية بدالي الشاب الجميل الذي سوف يصبح عشيقها لاحقا لـ(لوركا)، وهنا نلمس بأية مقصديه رقيقة قام الشاعر لوركا بالجمع بين هذين الكائنين وكانا الأحب إلى قلبه، بإهدائهما قصيدتين من ديوانه (الأغنية الغجرية) وهما قصيدة (ميت بسبب الحب) إلى( مارغاريتا مانسو) وقصيدة (أغنية إلى المقيم إجباريا) لإيميليو ألدارين وكانتا متتابعتين .
ومن هنا نستطيع القول بان الفترة المحصورة ما بين عام 1925 و1927 هي فترة أوج مراحل الصداقة والعلاقة بين لوركا و دالي وهي مرحل التي تأثر دالي تأثيرا بالغا بـ(لوركا) بكونهما ارتبطا معا بالعلاقة الجنسية المثلية – سواء بالممارسة الفعلية أو من عدمها كما يقول دالي – حتى بلغ الأمر بـ( سلفادور دالي) الى اخذ من لوركا موضوعا ظهر في أكثر من لوحة من لوحات دالي، ومن جانب لوركا مثل سلفادر دالي ملهما له في قصائد كثيرة، فنلاحظ بان لوركا يقوم بإهداء كتابه ( قصيدة غنائية إلى سلفادور دالي) إلى دالي، وهذا الفعل لم يسبق لـ(لوركا ) ان يفعله مع أي شخص اخر او مع أصدقائه ، وقد نشره في (مجلة الغرب)، وبدوره قام دالي برسم لوحتين بارزتين تعكسان مدى علاقته بلوركا، اللوحة الأولى جاءت بعنوان ( أكاديمية التكعيبية الجديدة ) وهي موجودة في متحف( مونتسيرات) اما اللوحة الثانية فجاءت تحت عنوان (العسل أكثر سكراً من الدم) .
ومن الملاحظ هنا بان كل الذين قاموا بدراسة اثأر العملاقين دالي و لوركا يؤكدون بان هناك أدلّة على اختفاء العديد من الرسائل، كتبت بين الطرفين ، لا سيما تلك التي بعثها لوركا إلى دالي، والشكوك تذهب سبب ضياع او اختفاء تلك الرسائل الى امرأتين الأولى هي (آنا ماريا دالي) شقيقة دالي ، التي قامت ببيع العديد من الوثائق بعدما طُرد دالي من البيت بسبب مواقف والده منه، اما المرأة الثانية هي (غالا) زوجة دالي ، التي كانت تحمل عداءا خاصا مع لوركا بسبب غيرتها منه بكونها تعلم بمدى ارتباط دالي به .
ووفقا لما ترويه الممرضة التي كانت تقوم برعاية دالي قبيل وفاته أن دالي خلال أيامه الأخيرة، ما كان يذكر سوى اسم ( لوركا ).
فدالي كان شديد تأثير بـ(لوركا) لأنه كان يحبه حبا صادقا وكان لمقتله وقعا كبيرا في نفسه وحياته ، لأنه ظل يعتقد بأنه كان بمقدوره إنقاذ لوركا الشاعر ، ومن هناك فقد رسم لوحات عدة عن لوركا بعد مقتله وهو دليل على أن العلاقة الروحية بينهما لم تنقطع، رغم أن العديد من المشاريع الأدبية بقيت من دون تنفيذ، كفكرة العمل المشترك من أجل إنجاز أوبرا، كان لوركا قد طرحها في إحدى رسائله الى دالي بكون ظروف حالت دون لقائهما بعد عام ‬1929،حيث يسافر دالي إلى باريس بعد ان تزوج من (غالا) وانشغل اهتمام دالي بها أكثر من لوركا.
و(غالا) هي فتاة روسية تدعى (إيلينا ديماكونوفا) صاحبة اكبر مغامرات عاطفية بين كبار الشعراء والفنانين ، جاءت إلى فرنسا بمفردها عام 1913 وهي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها ، أقامت في مصحة للمعالجة من مرض السل ، وبعد أربعة أعوام التقت الشاعر(بول إيلوار) ووقعت بينهم قصة حب عنيفة ونذرت نفسها له ولكن انشغال( ايلور) بفتاة أخرى وإحساسها بعدم مبالاة ( ايلور) بها ما جعلها ان تقع في غرام الفنان (ماكس أرنست) ، ولكن تذبذب عواطفها ابعدت عنه حينما تعرفت على (سلفادور دالي) ثم ارتبطت حياة دالي بحياة غالا في عام 1929 وكانت تكبره بأكثر من عشر سنوات ، ومع ذلك كان يعشقها كثيرا، وهذا واضح في لوحاتها التي رسمها لها في ثلاثينات القرن الماضي عندما كان يوقع لوحاته باسمه واسمها معا، ورغم ان دالي عرف بحياته الخاصة بأنها حياة غير المستقرة وله مغامراته العاطفية وشاذة مع الكثير وقد ذكر أكثر من مرة أن (غالا ) هي التي أنقذته من اللواط ومن الجنون ومن الموت المبكر في ذلك الوقت.
وظهر تأثيرها الواضح عليه وعلى أعماله الفنية، لأنها كانت حريصة على منع تخيلاته المتطرفة في الحياة والفن من أن تصبح حالة مرضية، وهذا الحرص الدائم كان سببا في الجاذبية المتصاعدة والمستمرة بينهما، وكان يكرر فكرته عن ارتباط اسم (غالا) بالعبقرية ، حين يقول :
” إن كل رسام جيد يريد أن يكون مبدعا وينجز لوحات رائعة، عليه أولا أن يتزوج زوجتي “.
وقد وجد المحللون أن ارتباطه بـ(غالا) وحبه لها يمكن أن يكون تعويضا عن فقدانه لأمه وأنها تمثل له الزوجة الأم بشكل واضح ، فقد توفيت أم دالي عام 1921 وكان عمره 16 سنة وقد علق على موتها فيما بعد ” بأنها الصدمة الأعظم التي تعرض لها في حياته وأنه كان يعبدها “.
وتحولت (غالا) مع الوقت إلى مديرة علاقاته العامة والمسئولة عن تسويق أعمال دالي الفنية، وبدوره فقد كان دالي يتعلم كيفية استغلال فضائحه واستفزازاته في مشاريع تجارية مربحة .
لكن السنوات الأخيرة من علاقتهما مسها الكثير من المرارة بسبب مغامرات غالا الكثيرة التي لم تراع فيها مشاعر وحساسية دالي ووقوعه فريسة للشك والإحساس بعدم الأمان، ومعظم لوحاته التي رسمها لها في ما بعد كان يرسمها بضوء معتم وغامض، ومع ذلك، تظل غالا المرأة التي ألهمت دالي فقد رسم مجموعة من أفضل وأشهر لوحاته ظهرت غالا فيها ، وقد يبدو غريبا في هذه الأسطورة أن نري غالا (حين كانت تتهيأ للاقتران بآخر هو سلفادور دالي) تسأل ( أيلوار) لماذا خف حبه لها و قل اهتمامه بها ..؟
فيجيب ايلوار ( الذي كان يتهيأ للزواج بأخري هي نوش):
” بأنها ستبقي الوحيدة في حياته والي الابد”.
انها أسطورة حب لم يكن في الإمكان اكتشاف تفاصيلها بعد رسائل (غالا ) الي (ايلوار) في الحرب الا باكتشاف رسائل ايلوار الي غالا بعد و فاتها 1982 وكانت قد خبأتها ثلاثين عاما منذ وفاة الشاعر 1952 عند ابنتهما (سيسيل( كانت تناديه بـ ( يا زوجي مدي الدهر ) قبل الزواج و أثنائه و بعد الطلاق.
فزواج سلفادور دالي من غالا وانشغاله بها وبرحلاته كان سببا بابتعاده عن صديقة لوركا الذي هو الأخر توجه إلى نيويورك، ومنذ ذلك الحين لم يتبـــق بينهما أي نوع من التواصل أو الاتصال، إلا بصورة متقطعة، ورغم ذلك فأن لوركا ودالي حافظا على صداقتهما حميمة مع رغم اختلاف أساليبهم الجمالية والفنية وبعد المسافة التي كانت تفصل بينهما، فعادا والتقيا عام ‬1935 في برشلونة بحضور غالا، ووصل بهما الأمر إلى التفكير في انجاز عمل مشترك حول (واغنر ولويس الثاني)، إلى أن حلت الفاجعة وقتل الشاعر الكبير ( لوركا ) رمياً بالرصاص بأيدي مجهولة في الأيام الأولى من الحرب الأهلية الإسبانية التي استمرت لقرابة ثلاث سنوات لتنتهي بديكتاتورية الحاكم ( فرانكو) وهو في الثامنة والثلاثين من عمره بين قرى) فيثنار وألفاكار) في 19 أغسطس1936 ولم تعثر على جثته، في وقت الذي كتب( لوركا ) قصيدة تنبأ بضياع جسده بعد قتله حيث يقول : .
“.. وعرفت أنني قتلت
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاث جثثٍ
ونزعوا أسنانها الذهبية
ولكنهم لم يجدوني قط..”.

وتوقف كل شيء، فبكى( دالي )على لوركا وأعلن الحداد على فقدانه لأعز صديق الذي تحول إلى موضوع لعدة لوحات له.
وكانت هذه المرحلة في حية سلفادور دالي محطة انطلاقه الحقيقية فاخذ يدرس كافة المذاهب الفنية والتقى بفنانين عالمين وبمطالعة مؤلفات فلسفية مثل كتابات (نيتشه) و(فولتير) و(سبينوزا) و(كانت) ، وقد صب اهتمامه الكامل إلى أعمال الفيلسوف (ديكارت ) الذي استند على أفكاره في رسم عديد من لوحات رائعة.
وبعد أن تعرف على كتابات (نيتشه) وانتهائه من قراءة كتاب(هكذا تحدث زرادشت) عمد إلى إطالة شاربه ليكون مثل شارب نيتشه وظل محتفظا بهذا الشارب إلى نهاية حياته وكما احتفظ دالي بـ(عصا) للاستناد عليها وهو يسير مقلدا النبلاء الذين كانوا يسيرون في الحقول وبأيديهم عكازات مزخرفة بالأحجار الكريمة للمباهاة، وقد رافقته هذه العصا خلال حياته واستخدمها كموضوع مسيطر في لوحاته في وقت لاحق .
وبعد عام 1926 حينما التقى( بابلو بيكاسو) الذي كان متميزا بأسلوبه التكعيبي، بدأ سلفادور يطور أسلوبه ليكون له أسلوب خاص به على غرار (بيكاسو) وفعلا فقد تحقق له ذلك في مدرسته ( السريالية ) التي ترك فيها بصمات واضحة في المذهب السريالية ، لا سيما بعدما تعرف برسامين سرياليين أمثال (لويس أراغون) و( أندريه بريتون) مما ساهم في بلورة أسلوبه وتفوقه، فلقاءه في باريس مع الشاعر والطبيب النفسي (أندريه بريتون 1896 ـ 1966) الذي نظم في عام 1924 (البيان الأول) الذي يعتبر بمثابة الرسالة التأسيسية للسريالية . فـ(السريالية) كما يعرفها أندريه بريتون في البيان الأول هي:
“..آلية نفسانية صافية يمكننا أن نعبّر بواسطتها، إما كتابة وإما شفويا، وإما بأي طريقة أخرى، عن سير عمل الفكر الحقيقي. وهي ما يمليه الفكر في غياب أي مراقبة يمارسها العقل وخارج أي اهتمام جمالي أو أخلاقي..”.
صحيح أن السريالية لم تكترث، كما يتبين من هذا التحديد، بما يمكن إنتاجه من أشكال فنية، لكن الفنانين المنتمين الى التيار السريالي تركوا أعمالا فنية ذات طبيعة خاصة، وقد يكون إخضاع قيم هذه الأعمال التشكيلية لأهداف شاعرية هو ما يوحد بينهم، إذ يرى (أندريه بريتون) أن ” التصوير والنحت هما عبارة عن تحولات تشكيلية للشعر، شرط أن يتحرر الفن من استعادة الأشكال كما هي في العالم الخارجي، فهدف الفن ليس إرضاء العين بل تقديم خطوة جديدة في معرفتنا المجردة..”.
ومصطلح السريالية في الحقيقة وضعه عام 1917 الشاعر (غويوم أبولينير) قبل (أندريه بريتون) وهو بمعنى (ما فوق الواقعية) وهو ” مذهب أدبي فني فكري أراد به تحليل واقع الحياة الواعية ،باعتبار ان هناك فوق هذا الواقع واقع آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور ، وهو واقع مكبوت في داخل النفس البشرية ، ويجب تحريره وإطلاق مكبوته وتسجيله عبر كتابات في الأدب والفن” .
وبهذا المعنى فان السريالية تسعى إلى إدخال مضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية والفنية وإنما تستمد مضامينها من الأحلام سواء في اليقظة أو المنام ، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق (السبب) و(النتيجة) ، وهكذا تعتبر السريالية اتجاها يهدف إلى إبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف، وقد اعتمد فنانو السريالية على نظريات (فرويد) رائد التحليل النفسي خاصة فيما يتعلق بتفسير الأحلام و رموزها، كما وصف النقاد اللوحات السريالية بأنها تلقائية فنية ونفسية تعتمد على التعبير بالألوان عن الأفكار اللاشعورية والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام ،وقد تخلصت السريالية من مبادئ الرسم التقليدية وذلك بواسطة التركيبات الغربية لأجسام غير مترابطة ببعضها البعض ، كما إن الانفعالات تظهر ما خلف الحقيقة البصرية الظاهرة ، واعتمد السرياليون في تصويرهم على طريقتين:
الأولى، هي الأسلوب الذي ابتكره سلفادور دالي ويعتمد على التجسيم الواقعي أو الهذيان والذي يستخدم فيه رموز الأحلام ليرتفع بالأشكال الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي ، لكن مع التجسيم الطبيعي لها . والثاني، تشبه الأسلوب التكعيبي المسطح ذا البعدين ، وهي أقرب إلى الأشكال التجريدية ، وإن كانت تختلف عنها، في أن السريالية لا تهتم بالشكل ولا بالصور ولا بالهندسة ، الأمر الذي يهتم به التجريديون.
فـ(دالي) جسد في فنه ظاهرة جديدة في السريالية. لكن اعتمد على ما اسماه (النشاط ألهذياني النقدي) باعتباره نهجا تلقائيا للمعرفة اللاعقلانية، يقود باللاوعي الى تمجيد الهذيانية، وقد دخل دالي حالة الهذيان، رغم كونها حالة اضطراب عقلي تتجلى في إيهام وهلوسة مزمنة، بقصد تحويلها الى حالة غير هذيانية استنادا الى اعتقاده بـ(بديهية الذهن ونفاذه الخارق) لكنه، وبعكس زملائه السرياليين الذين ركزوا على ظواهر شائعة في علم النفس، عالج دالي حالات مرضية أكثر شذوذا كوساوس وهواجس التفسخ والعجز الجنسي، مستخدما وسائل التشويه ومظاهر الانحطاط كانعكاس لاضطرابات مرضية تعكس بدورها الحال الثقافية والاجتماعية في تلك الفترة، محاولا نقل نتائج التحليل النفسي لدى (فرويد) الى مجمل الوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي لعصره.
وخلال هذ التأثير كتب دالي في باريس سيناريو فيلم (كلب أندلسي) والذي أخرجه المخرج الإسباني) لويس بونويل(، عام 1928 ويبلغ طول الفيلم 17 دقيقة وهو مزيج حلم غريب، والمشاهد والأفكار لا يمكنها أن تثير تفسيرا عقلانيا من أي نوع، ومن لقطات الفلم :
شفرة موسى تفقأ عين فتاة.. رجل ينزع فمه من وجهه.. بيانو تزينه جثث حمير.. نمل يزحف على يد رجل.. رجل في الشارع يحمل مكنسة تنتهي إلى يد آدمية يدفع بها الفضلات..
ومن الطريف أنه لا يوجد في الفيلم أي كلب أو أندلس، وفي عام 1930 كان الفيلم الثاني لـ(دالي) وهو بعنوان (العصر الذهبي) والذي يتميز أيضاً بعدم إمكانية تفسيره تفسيرا عقلانيا، وهو من إخراج (بولونيل) أيضا.
ومن هنا يمكننا ان نقول، بأن ظاهرة السريالية لا تتمثل سوى في المرحلة الأولى من نتاج دالي، فقد عاد منذ أواخر الثلاثينات إلى أسلوب اقرب إلى الكلاسيكية، ولم يعد يهتم بالسريالية، كما يصرح بروتون، لان سلوكه ذا الطابع المسرحي، الاستفزازي، الذي طالما تميز به، دفعه إلى أن يسخر نفسه لخدمة الرجعية في أسبانيا، والى استثمار صريح لنوع من التدين العاطفي، لكن هذا التحول، سواء في نتاج الفنان أو في سلوكه، لا ينفي قيمة أعماله الأولى التي أغنت الحركة السريالية وجعلت دالي ظاهرة مميزة في تاريخ هذه الحركة ليرتبط اسمه بهذا التيار الفني على نحو لا جدل فيه.
فبعد عام 1930 قام دالي برحلات عدة إلى إيطاليا وقد وجد روما (الكاثوليكية ) وقد دمرتها التجديدات الحديثة التي أمر( موسوليني) بها وتطلب ميله الجديد للكلاسيكية موضوعية أكثر ودراسة لفنون الرسم في عصر النهضة ، فاهتم بقوة بالهندسة والرياضيات وعلم التشريح والمنظور قدر اهتمامه القديم بالإيحاء من اللاوعي ، في نفس الوقت طور دالي إيمانا متزايدا بالمراتب الكهنوتية الكاثوليكية وبالنظم الملكية ، وقد طلب في أحد الأيام الحصول على موافقة البابا لرسم إحدى لوحاته كما أعلن بوضوح أن آماله في المستقبل هي الدعوة إلى نهضة دينية جديدة على أساس مبادئ كاثوليكية متطورة.
وبين عام 1940 إلى 1948 عاش (سلفادور دالي) في الولايات المتحدة الأمريكية في مدينة نيويورك حيث كانت شهرته قد ذاعت وكثر المعجبون بفنه، ولم يتأخر في اكتشاف عالم الأغنياء والأرستقراطيين في المدينة ، ويقول في ذلك: “…لقد كانت الشيكات تنهمر كالإسهال “.
وقد لجأ دالي بعد مكوثه في أمريكا إلى أساليب ملتوية لتحقيق الشهرة العالمية كتأييده لحكم (فرانكو) في إسبانيا ، وخلال فترة صعود الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا رسم دالي العديد من اللوحات التي تظهر (هتلر) في أوضاع عجيبة – بعضها أنثوي- ويقال أن (هتلر) أعجب ببعض هذه اللوحات ، مما دفع (اندريه بريتون) والفنانين السرياليين إلى اتخاذ قرار جماعي بفصله من الحركة السريالية بسبب ذلك إضافة لاتهامه بحبه الشديد بالمال، غير أن دالي لم يتأخر في الرد حيث قال له :
” ليس بإمكانك طردي ، فـ(السريالية) هي أنا”.
وخلال مكوثه في أمريكا قام بتصميم العديد من الواجهات الشهيرة ، ومجموعات الحلي ، والملابس ، و المسارح ، بل واتفق مع المخرج (والت ديزني ) على مشروع فيلم (ديستينو ) ولم يتم إنجاز ذلك إلا في عام 2003.
وفي عام 1948 عاد الفنان دالي إلى (فيغويراس) وبيته ، وكانت عودته هذه المرة عودة الابن البار حيث تصالح مع والده بعد فترة قطيعة طويلة،
وانطلاقا من إعجابه المعلن بالرسامين الكلاسيكيين أمثال( فيلاسكيس) و(رافائيل) و (فيرمير) انطلق نحو ما سماه ( الفن الكلاسيكي الديني) ورسم بعدها ( مادونا بورت ليجات) وهي عبارة عن عذراء بوجه زوجته (غالا) ، ثم مسيح (سان خوان دي لاكروس).
و في عام 1964 أصدر( سلفادور دالي) كتابا بعنوان )يوميات عبقري في باريس) ، وهو مأخوذ من دفتر يومياته الذي يغطّي المرحلة الممتدة من عام1953 إلى1963 من حياته، ويشكل الكتاب تكملة لسيرته الذاتية التي صدرت بعنوان (الحياة السرية لسلفادور دالي) والذي يعتبر من أكثر كتب دالي إثارة.
وقضى سلفادور دالي بقية أيام حياته قبالة شواطئ البحر الأبيض المتوسط وظل هناك لما بعد وفاة زوجته (غالا) عام 1982 .
وفي عام 1984 احترق دالي في غرفته ضمن ظروف غامضة ربما كانت محاولة للانتحار ، لكنه لم يمت وعاش خمس سنوات تالية ، ثم صدرت عنه لفتة كريمة جداً قبل أن يتوفي عام 1989 فقد أهدى كل ثروته ولوحاته للدولة الإسبانية .
فسلفادور دالي فنان لا يمكن تجاهل قيمته الفنية والإبداعية في الفن ومدى تأثير فنه في الحركة السريالية التي ستبقى حاضر بقوه في ذاكرة التاريخ الحركات الفنية في العالم بما تركه من ارث فني هائل ببصمته الواضحة
بما لا يمكن أحد أن ينكر ملكة الرسم الخارقة التي كان يتمتع بها دالي أو أن يتجاهل قيمة لوحاته العظيمة وخصوصاً في مرحلة السريالية الأولية
وحتى أعماله الأخيرة، رغم ان بعض من النقاد يرى بان تحوله الى رجل الإعمال أثرت على طبيعة فنه وعلى نزاهة وعفة أعماله، ورغم كل ما قيل وما سيقال فإن دالي الفنان العظيم ذو النظرة الجنونية العميقة ، سيبقى دون شك أسطورة بكون مع كل نظرة إلى لوحاته تشعر بان الروح اكتسبت جناحين وإنها تحلق في كل الإبعاد عبر مخيلة أوسع مما ان تتخيل، فقد عرف دالي بقيمة فنه عاليه لم ينتظر من الأخر ان يقوم بفتح متحف يجمع إعماله بل هو من فعل ذلك وهو على قيد الحياة فقد استغل ثروته التي جمعها من خلال فنه وعمله في أمريكا إلى إنشاء متحفا خاصا به وبأعماله حيث حول قصر قديم يقع في القسم القديم من المدينة ويتألف من عدة طوابق تطل شرفاتها على حديقة داخلية، و متحف يقع في حي (مونمارتر) في باريس، “وفي الحديقة ووسط الأشجار هناك نافورات ماء غريبة الأشكال، واحدة من النافورات عبارة عن سيارة قديمة في وسط الحديقة مكتوب عليها عبارة(اضغط هنا) وإذ ما يتم الضغط على الزر الصغير يندفع الماء ليغسل وجهه . وهذه واحدة من مداعبات دالي لزوار متحفه.
وفي الطابق الأول حيث جمع دالي بعض لوحاته الكبيرة، تدخل هناك في عالم حافل بالجمال والغرابة وبكل ما هو غير متوقع إنه عالم دالي، لوحات تمثل (غالا) زوجته ، لوحات طبيعة صامتة ، ورسوم أخرى والإيحاءات الغريبة التي تخلفها رسوم دالي في النفس تجعلك خارج الزمان والمكان، و في الأرجاء المتحف هنالك المنحوتات والأشياء والتكوينات سريالية التي صنعها دالي وهي لا تقل غرابة وجمالا عن لوحاته ، ويكاد يتخيل إليك أنها كائنات حية تنظر إليك وتخاطبك.
وفي الطابق الثاني من المتحف رتب دالي أشياءه الخاصة ، صندوق نحاسي على الأرض لمسح الأحذية ذهبي اللون يعود إلى العهد العثماني ، أضاف إليه دالي بعض اللمسات الفنية فحوله إلى قطعة فنية مسكونة بالغرابة، في الواجهات الزجاجية تستطيع أن ترى الطبعات الأصلية والأولى من كتب دالي (حياتي السرية) والكتب الأخرى، ثم الكتب الشعرية التي صمم دالي أغلفتها بنفسه وزينها برسوماته ، بالإضافة إلى ذلك تجد رسائله إلى أصدقائه ورسائل أصدقائه إليه ثم عشرات الصور الشخصية التي تعود لسنوات قديمة وفيها يبدو دالي مع أصدقائه من شعراء وكتاب ورسامين صنعوا أدب وفن القرن العشرين ، أسماء هي اليوم شهيرة وطوى الموت أصحابها.
عند نهاية الزيارة وفي القاعة الأرضية وقبل أن تغادر المكان ثمة مفاجأة سريالية أخرى بانتظارك هناك ، قبر دالي نفسه كما قام بتصميمه هو قبل موته ، قبر رخامي ضخم يرقد فيه اليوم بجانب زوجته”.
وهكذا فان سلفادور دالى اعتمد منذ انطلاقة في عالم الفن التشكيل ورغم تأثره بالحركة التكعيبية في المراحل الأولى من حياته الفنية، ألا انه سعى إلى استخدام أسلوب خاص به عبر استخدام الرموز بإشكال واقعية وهو الأسلوب الذي كان يسميه (فوتوغرافيا يد سلفادور دالى ) وهو الأسلوب الذي كان يعتمد فيه إلى تغيير طبيعة الأشياء بما يتخيله بخطوطه وحركات و ألوانه واضحة بشكلها (الهارمونيك) منسجمة بين الموضوع والشكل.
فجل أعمال سلفادور دالى تربط بين ما هو من وحى اللا شعور و من رموز ابتكرها بمخيلته و أفكاره التي شكلها بوعي كامل، ومن الطبيعي بان لا أحد ينكر بأن سلفادور دالى، كان من أبرز فناني الحركة السريالية لكنه لم يكن الأبرز رغم أن اسمه ارتبط بها، وقد أفلح في أن يربط اسمه تلقائيا بالسريالية رغم انه إعلان تركه الحركة السريالية في أواخر الثلاثينيات، لان توجهه نحو تحويل موضوعات لوحاته من الرموز إلى واقع بصري و بعيدة عن نفحة اللاشعور لاعتماده على الصقل والتقنية الفنية الزائدة في الإتقان التصويري الأقرب إلى الفونوغراف والتي لا تتم إلا بعقلية واعية و بــحرفية محسوبة، وبهذا الوعي هدم الأساس التي قامت السريالية عليه، وقد نجح (سفادور دالي ) في الترويج على نفسه وبفنه عبر استعماله لأساليب دعاية معتمدا على تصرفاته الشاذة و أطواره الغريبة والتي جعلت الناس والصحافة متشوقة لتتبع أخباره و لرؤية إعماله الفنطازية بجموح خيالها والتي كانت على حساب المبادئ التأسيسية للسريالية بعد أن روض سلفادور دالى اللاشعور ليجعل من الوعي سيد الحضور في جل إعماله التشكيلية .

مقالات ذات صلة

‫19 تعليقات

  1. I really like your blog.. very nice colors &
    theme. Did you make this website yourself or did you hire someone to do it for you?
    Plz reply as I’m looking to construct my
    own blog and would like to find out where u got this from.
    appreciate it

  2. I have been surfing online more than 2 hours today, yet I
    never found any interesting article like yours.
    It is pretty worth enough for me. In my opinion, if all
    web owners and bloggers made good content as you did, the web will be a
    lot more useful than ever before.

  3. Please let me know if you’re looking for a writer for your weblog.
    You have some really great articles and I feel I would be a
    good asset. If you ever want to take some of the load off, I’d love to write some
    articles for your blog in exchange for a link back to
    mine. Please blast me an e-mail if interested. Cheers!

  4. Hi I am so thrilled I found your web site, I really
    found you by accident, while I was searching on Aol for
    something else, Nonetheless I am here now and would just like to say thank you for a
    remarkable post and a all round enjoyable blog (I also love the theme/design), I don’t have time to go through it all at the moment but I have book-marked it and also added in your RSS feeds,
    so when I have time I will be back to read a great deal more, Please do keep
    up the awesome jo.

  5. I’m very happy to uncover this site. I need to to thank
    you for ones time for this particularly fantastic read!!
    I definitely savored every part of it and i also have you saved as a favorite to see new information on your
    web site.

  6. Greetings I am so grateful I found your blog, I really found you by mistake,
    while I was researching on Google for something else, Regardless I am here now and would just like to say thanks a lot for
    a tremendous post and a all round entertaining blog (I also
    love the theme/design), I don’t have time to browse
    it all at the moment but I have book-marked it and also included
    your RSS feeds, so when I have time I will be back to read
    a great deal more, Please do keep up the fantastic job.

  7. naturally like your web site however you need to test the spelling on several
    of your posts. A number of them are rife with spelling problems and I find it very
    troublesome to tell the truth nevertheless I’ll
    certainly come back again.

  8. I do not know if it’s just me or if everybody else encountering issues
    with your site. It looks like some of the written text on your content are running off the screen. Can somebody else please comment and let me
    know if this is happening to them too? This could be a problem with my internet
    browser because I’ve had this happen before. Cheers

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق