فن ونجوم

مفهوم التعبير والرمز الفني في المنحوتات الأشورية

مفهوم التعبير والرمز الفني في المنحوتات الأشورية
فواد الكنجي

فن النحت الأشوري- يمكننا تصنيفه فنيا بكونه( فن تعبيري) يقوم وفق تصورات و رؤية الفنان وانطباعاته التي انطبعت في ذاكرته بالمؤثرات العامة لبيئة حياته ومحيطها والتي تم تعبير عنها من خلال الإنتاج الفني، لأن النحات عمل وفق محاولته لاستشارة مكنونات تلك الانطباعات والأفكار التي وجدت مكانها بالفعل في تركيبته الحسية والتي سبق لها معاينتها وإدراكها في ظل تأثير الواقع المحيط به ليحاول التعبير عن تلك المؤثرات والأفكار بواسطة استذكار صور محددة تتشكل وفقا وحسب مستوى تطور وقدرات هذا الإنسان العقلية، من ناحية و وفقا للمادة المستخدمة في التعبير، من ناحية أخرى.
فالتعبير في العمل الفني في أعمال المنحوتات الأشورية هو محصلة تفاعل (الفكرة) سواء كانت موضوعية واقعية أم روحية ، مع( الشكل ) أو بمعنى أخر روح المادة الأزلية، لينصهر العمل في كينونة واحدة بتفاعل ديناميكي وصولا لعملية التعبير. فلا تعبير دون وجود (فكرة)، ولا تعبير دون رؤية ناشطة في استنطاق (الشكل ) والتي هي عبارة عن الخامات ( الحجر.. الألوان.. القماش ..الخ ) ولا تعبير ألا بتفاعل كل ذلك في مكونات العمل الفني جماليا .
فالإحساس بالجمال في فن النحت (الأشوري) ينحصر تعبيره في العمل ذاته بـ( عاملين):
العامل الأول وهو الموضوع (الماثل) أمامنا بالفعل
والعامل الثاني هو الموضوع (الموحى) به أو الفكرة، والذي يأتي من خلال فعل ( الانفعال ) أو الصورة و التعبير عنها، ويوجد هذان العاملان معا في الذهن، ويتألف( التعبير) من اتحادهما… وأن التعبير يعتمد على اتحاد بينهما، أي بين ما هو ماثل وبين ما هو موحي، بكون الخيال لا يستطيع بناء العمل بما ليس موجود في الذهن، وينتج عن ذلك بأن القدرة التعبيرية للأشياء تزيد بزيادة ذكاء المتلقي لها، ونستطيع القول بان التعبير يعد من عمليات الذات المعبرة تتجسد في وسط (مادة) أو سلوك يظهر بواسطة الوسائل المتاحة لإظهارها ، أي من التقنية إلى القدرات الفعلية التي تستطيع أن تحول كل ما هو ذهني عقلي إلى ما هو مادي حسي.
وبهذا يكون التعبير في النحت (الأشوري) فنيا خالصا، ومعبرا عن التجربة الإنسانية للفنان في محيط ما يقرنه بقدرته العقلية على إظهاره بشكل منظم و واعي بإنتاجه الفني، بمعنى أخر بأنه يعمل بطريقة شعورية واعية، اعني في مستوى المعنى على تحقيق الاتحاد بين كل من الحس.. والدافع.. والفعل وهو الاتحاد الذي يتميز به منحوتات (الأشورية)، فإذا ما تدخل الوعي او الشعور واتحدا مع عناصر التنظيم والقدرة فان الاختيار او الانتقاء وعملية بناء النحت و أعادة التنسيق تتجلى لإبراز النحت بشكل جمالي رائع تتوافق فيه كل شروط العمل الفني الناجح ، ولعل ما نشاهده من أعمال النحت ألجداري البارز مثل (اللبوة الجريحة) في جداريه صيد الأسود من العهد (الأشوري) القديم وتمثال الرائع نركال( الثور المجنح ) والتي له ما اكتشف منه أكثر من مائة وخمسون تمثال لـ(نركال- الثور المجنح) بوضعيات مختلفة وتماثيل (الملك أشورناصر بال الثاني 879ق.م ) حيث له منحوتات على الحجر الجيرية و من العاج وبإعداد كثيرة و نصب تمثال ومسلة السوداء (شلمنصر الثالث) وجداريات ( العربة الأشورية) وصور( الصيد والقتال )، تعد كأمثلة للتعبير الفني الذي يعبر عن حضارة (الأشوريين) التي تزخر بانجازاتها عظيمة التي يشهد لها التاريخ والعالم. واليوم نجد الآثار (الأشورية )هذه لها مكانتها في أرقى متاحف العالم في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وأمريكا ، كما يتضح أن التعبير هو فعلا، قاسم مشترك في كل منحوتات النحات (الأشوري) الذي برع في إتقان فنه (التعبيري) الخالص بما يحمل من صفات ومميزات ذاتية تخرج من الذات الى الموضوع على شكل أعمال فنية تؤرخ مجد تلك الحضارة، فتوصف بالإبداع والابتكار والجمالية تكون لها قوة مؤثرة على المتلقي، كون هذا الإعمال الإبداعية التي تظهر لنا بأشكال تعبيرية مختلفة وحسب موضوع الموحي له و المراد منه إيصاله للمتلقي. ومن هنا نلاحظ في الأعمال النحات (الأشوري) بان فن (التعبير) عنده ينقسم في العمل الفني الواحد إلى مجموعة من التعبيرات تقترن بعناصر العمل الفني ذاته بكون العمل الفني هو انعكاس معادل للمضمون المراد إيصاله على اعتبار أن الفنان لابد أن يضمن عمله مضمونا يود نشره في العمل الفني وهي حاله يحددها الفنان من خلال التعبير ، ويجب أن نفرق بين حياة الفنان الخاصة والإحداث المحيطة حوله ، وهي أحداث متتابعة وكثيرة ، حيث التوسعات الكبيرة لجيوش الأشورية والحروب وانجازات العلم والمعرفة، إلى درجة التي سمي ملوك أشور بـ( ملوك الجهات الأربع ) وان فترة حكمهم الطويل، اذ أعقب على حكم الدولة (الأشورية) اكثر من( 112 ) ملك أشوري وهو أمر الذي لم يسبق وان حكم بهذا العدد من الملوك على أية إمبراطورية ظهرت على مر التاريخ في العالم اجمع ، ومن هنا فان النحات (الأشوري) لم يعبر عن ذاته فحسب، بل عبر عن وجدان المجتمع الذي ينتمي إليه، ولكن يبقى الفن في مجملة فرديا ذاتيا وينفتح على المجتمع في نفس الوقت ، وكما أن هناك فرق واضح بين معنى التعبير النفسي والتعبير الفني، وأن الفرق هو كما بين رجل يطلق العنان لدموعه ليعبر عن حزنه وبين آخر يجلس ليكتب أغنية أو يؤلف مقطوعة موسيقية تعبر عن هذا الحزن، والتعبير الطبيعي في الحالة الأولى ينقصه التعبير الفني الموجود في الثانية ، فالفنان تارة يعبر عن خواطره ومشاعره وتارة يعبر عن روح المجتمع او عن الشعور الجمعي، فالفنان الحقيقي يجب ان يعرف ويفهم كل ما يشغل ويقلق تفكير معاصريه فهو لا يستطيع أن يقف موقفا لا مباليا من نبض الحياة الاجتماعية وهو حال النحات الأشوري المعبر عن مجتمعه الأشوري آنذاك. لذا فان المنحوتات (الأشورية) هي لسان لحال لتلك الأمة وبهذه الصفة تميز هذا الفن بأسلوب موضوعاته من خلال مجاميع القطع النحتية البارزة التي أظهرت الخصائص والصفات( الأشورية) في تنظيم الشَعر وإشكال الملابس ونقلت ألينا موضوعات قصصية، كما في المسلة البيضاء المكتشفة في (تل قوينجق) داخل مدينة نينوى، والتي حملت لنا من القرن (الثالث عشر ق.م) بوجوهها الأربعة حيث كتب ونقش عليها موضوعات قصصية مختلفة، بكون النحات( الأشوري) حدد خطوط مساراته الفنية في الإبداع من خلال الألواح التي جاءتنا من زمن (أشور ناصر بال 824 ق.م ) وكذلك من زمن (سرجون الثاني 705 ق.م ) الذي زين عماراته ومعابده وقصوره بمجاميع من الألواح المنحوتة، فيما أتاح لنا النحات الأشوري في( زمن سنحاريب 682 ق.م ) التعامل مع ألواح حملت حوادث مصورة، ومن خلالها نستطيع تفسير كثير من وقائع تلك المرحلة .
وذا قلنا إن الفن عند (النحات الأشوري) فيه الكثير من (الرموز) – كما نلاحظ في أغبية المنحوتات – فهذه (الرموز) ليس مجرد محاكاة فحسب ، بل هي جزء من انفعال او وصفا للانفعال بل تعبيرا وتصويرا للانفعال .. ومن هذا الباب يمكننا أن نقول:
ان كل مكونات المنجز الفني في كل الإعمال النحتية الأشورية المكتشفة لحد الآن – لان هناك أكثر من وثائق تأكد بان ما تم اكتشافه من الآثار (الأشورية) يشكل (ربع) ما تم اكتشافه من الآثار فان هناك كم هائل من الآثار القيمة مازالت غير مكتشفه لحد الآن لأسباب كثيرة لا يسع مجال هنا للبحث عنها – بما فيها من مادة وحركة وفضاء وإضاءة ولون تعد استخدامات معبرة عن العمل الفني وهي تعكس حالة الانفعال النفسي التي تجول في مخيلة ونفسية الفنان وهذا ما يعد من متممات العمل الفني الناجح. ومن هنا حينما نلاحظ الإعمال (الأشورية) لا يسعنا الا أن نقول عنها بأنها (مدهشه) لحجم التعبير الماثل فيها ودقة النحت ، فتمثال( نركال) او كما يسمى بـ(الثور المجنح)، فان التمثال زاخر بالتعبير إضافة إلى التقنية التي برع الفنان في إبرازها في المنحوت والتركيز عن التفصيل في غاية الدقة والروعة و الجمالية ، فالقطعة النحتية الكبيرة لـ( الثور المجنح )التي تم وضعها في مداخل المباني والمعابد الأشورية قوامها مخلوقات مركبة عرفت باسم (نركال) تتألف من مكونات قوى بشرية وحيوانية نجح النحات الأشوري بدمجها بشكل منسق، وكان لهذه المنحوتات الكبيرة والتي صيغت بمعاني رموز تتحمل شتى معاني وحسب قدرة المتلقي وثقافته،فمن يفسر بن هذه المخلوقات الضخمة صيغت لتكون لها قوة جبارة قابلية طرد الأرواح الشريرة، وتتكون عادة من رأس إنسان وجسم حيوان وجناحي طائر، وهذه التشكيلة كانت مرتبطة بالقصائد وهي في الوقت ذاته تعود إلى أساطير عراقية عرفها العراقيون وتداولوا سرّها قبل الإغريق بألفي سنة، ومنها كما اثبت الباحثون أسطورة (كلكامش) وأسطورة (الخلق – تيامت وابسو)التي سبقت الأساطير الإغريقية، بل وكانت النواة الأساسية لبناء أساطيرهم من بعدها.
فمعاني (رموز) العمل الفني في المنحوت تنحصر مهمته في التعبير عنها بأشكال رمزية فالخصائص الحقيقية للتعبير الرمزي لا تتمثل في الغموض والسرية، بل تكمن في ازدواجية التفسيرات الممكنة وتنوعها، أي في التقبل الدائم للمعنى الذي تؤديه هذه الرموز، فـ(أرجل) الثور المجنح على سبيل المثال وليس الحصر، التي نحتها الفنان الأشوري في التمثال بـ(خمسة أرجل) وهو تعبير يعود رمزه إلى تفسيرات لعدة معاني- كما ذكرنا سابقا – والرمز كالتعبير أيضا يعتمد في ظهوره على التعبير ، فبالتعبير يصل الفنان إلى العامل المشترك يحدد مشهده ويخرجه واضعا إياه في شيء الماثل إمامنا عبر هذا (الرمز) ، فمشاعر الفنان وانفعالاته تتحول عبر الأفكار في العمل الفني باستخدام رموز لها ، و(الرمز) في أصله كأصل المشاعر عفوي ويتلبس في الشكل الفني ذاته ويكون معناه كامنا فيه، بحيث لا يشير إلى شيء ما خارجه، بكون الفن الرمزي هو رمز مبدع لم يكن موجودا من قبل وظهر إلى الوجود من خلال الإبداع كما نلاحظ في تمثال (الثور المجنح )عبر الأرجل الخمسة والأجنحة، إضافة الى ما نلتمسه في المنحوت من قوة التعبير بالإحساس والمشاعر والوجدان والخيال عندما تتموضع في العمل الفني فيتحول العمل إلى رمز لوجدان الفنان وأمته، وقد يختلط في الذهن ما تعنيه هنا بكلمة (رموز) بما تستعمل له هذه الكلمة من معان كثيرة ، فهذه (الرموز) من صنع العقل الواعي وضعها النحات (الأشوري) لتعبر في اختصار عن شيء مفهوم لديه من قبل، فالرمز (الساق الخامس) في (الثور المجنح ) لها مفهوم خاص أراد الفنان تعبير عنها بكون ملوك (الأشوريين) هم ملوك الجهات الأربع فالقدم او الساق الخامس يمثل مركز مدينته في (نينوى) التي قصدها فهي تلك التي تتصل اتصالا مباشر بالعقل الباطن وعلى نحوها وضع (أجنحة) للثور كرمز لإمكانية (الدولة الأشورية ) الوصول إلى كل بقعة من الأرض في هذا الكون – شأنها تماما شأن الرموز التي نصوغها في أحلامنا وقد يأتي المتلقي الأخر ويفسره وفق رؤيته الخاصة مخالفا لتفسير الذي سبق وهكذا .
فـ(الرمز) في هذه الحالة يكون صورة مضافة إليها عنصر العقلي بينما التجربة الإدراكية هي أدراك مباشر للصورة هذا (الرمز)، ومن هنا نقول بان العمل الفني لا يمكن أن يعد( رمزا ) الا بعد إدراكه وإبداعه كمنجز، فهو إذا ( تعبير)، و(الرمز) لا يمكن فصله عن الحدث الفني فهو مرادف له، فكل شيء في الفن ما هو الا عرض وتمثيل أو تجسيم لمفهوم معين.
ويبقى أن نشير إلى ان النحت (الأشوري ) هو فن (التعبير) قد يكون (رمزا) او (تعبيرا) ، فأن (الرمز) هو أحد أوجه (التعبير) في النحت (الأشوري) وليس تعبيرا مجردا ، وهنا علينا ان نأخذ بنظر الاعتبار الفترة التي نحت الفنان( الأشوري) منحوتاته قبل سبعة إلف سنة قبل الميلاد وإنما هي تعبيرات رمزية تحمل معاني ضمنية، بل أننا لو نظرنا إلى أية منحوت من المنحوتات، لما وجدنا أنفسنا بإزاء مجموعة من منحوتات والأشكال فحسب، بل لوجدنا أنفسنا أيضا بإزاء لغة (تعبيرية) رمزية تنقل إلينا بعض الدلالات من خلال ذلك المظهر المادي ولكن ليس بمعنى الرمز التقليدي فليست العلاقة بين العمل وما ترمز إليه أو بين السبب وما يؤدي إليه.
والتعبير في النحت (الأشوري) هو غريزة موجودة بشكل فطري وغير أرادي ويظهر إلى حيز الوجود من الذات الفنان فقبل سبعة ألاف سنة قبل الميلاد، نشاهد كيف عبر النحات (الأشوري) في منحوتاته تعبيرا فنيا صادقا ، وماذا يعني.. وما هو.. وكيف يكون… فهذه أسئلة مشروعة لفهم تلك المرحلة التي قادت الفنان (الأشوري) للغوص في أعماق الفكر لتبلور عنده كيفية صياغة هذه الأفكار على مواد خامة قاسية وكيف احضر أدواته لتتعامل مع هذا الخام او ذاك ، فيجب أن نوضح بعض الأمثلة عن التعبير في الفن بشكل عام ولدينا مثال أولي يشير إلى التعبير لدى الفنان( الأشوري) في تلك الحقبة ، حينما أراد محاورة الطبيعة وما موجود فيها من بشر وحيوان، لذا تعد المنحوتات (الأشورية ) شاهدا على عصرها، و من شواهد التعبير الإنساني آنذاك ليعبر عن احتياجاته حيث جاء التعبير تعبير دقيقا بكل معنى ذلك و عن حاجة ماسة لإخراج أحاسيسه المكبوتة داخل النفس بمواضيع تأثر عليه وعلى مجتمعة بكونه جزء منه ، لتجد متنفسا لها ولهم في هذا التعبير وقد أحس الناس في مختلف العصور بهذا الترابط المقدس بين الذات والموضوع المرتبط بين الواقع والخيال والتي يكمن فيه الجمال او الإحساس بالجمال فعبروا عنها أجمل تعبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق