تحقيقات وملفات

نهب وفساد في بيت الجمارك المغربي

ظل بيت الجمارك على امتداد 4 عقود، ولازال موصوفا بالإثراء غير المشروع على حساب الشأن العام، ولازالت من حين لآخر تتناقل أخبار نهب المال العام والتلاعب به، إلا أن أغلب هذه القضايا تبقى في ظل الكتمان، ما عدا ما ارتبط ببسطاء الموظفين الذين تطالعنا عنهم، بين الحين والآخر، بعض النوازل المعزولة، كأن الفساد في جسم الجمارك بالمغرب ينحصر في الصغار دون سواهم.
وأضحت القاعدة أنه كلما كثر الكلام عن استشراء الفساد في هذا القطاع الحيوي، سورع إلى تقديم بعض أكباش الفداء ليتحملوا ما لا طاقة لهم به وتظل رؤوس الفساد تنعم بنفوذها ومواقعها ومناصبها وامتيازاتها المشروعة وغير المشروعة، هذا في الوقت الذي تظل فيه المحاسبة والمساءلة مطلبا رئيسيا ومستداما للشعب المغربي والمجتمع المدني، لأن هناك عدة جرائم اقتصادية واجتماعية اقترفت في حقه واغتالت مصالحه ومستقبل أبنائه بفعل تعرض ثروات البلاد والمال العام لنهب وحشي قل نظيره في العالم.
الفساد في جسم الجمارك ظل سيد الموقف، حتى صار حضوره بالبيت الجمركي شاملا، إذ كلما ذكرت لفظة “الجمارك” يحضر إلى الذهن الفساد والرشوة كمرادف لها في ثنائية عجيبة مازالت راسخة إلى حد الآن في الذاكرة الشعبية، أراد من أراد وكره من كره.
لقد أضحى الآن من العادي والمسترسل أن تقرأ هنا وهناك، لاسيما في الجرائد الجهوية بالشمال والشرق الشمالي، تمظهرات يومية لهذا الفساد المستشري في جسم الجمارك ببلادنا، حتى صار الفساد والرشوة محورا تقاطعيا كلما هَمَّ الأمر الجمارك. فكيف دخل الفساد إلى هذا الجهاز الحيوي ومن يعمل على استدامته؟ وهل هو نتاج محتوم لمجتمعنا المغربي، أم أنه حاضر بفعل آليات ولوبيات ونصوص قانونية ومقررات إدارية وإجراءات مسطرية؟ هذه بعض التساؤلات التي لازالت تؤرق ذهن الباحثين والمحللين الاقتصاديين.
ويزداد الطين بلة عندما يدفع الفساد والرشوة إلى تكريس الظلم والحيف البين وإلى تقعيد “سياسة” قطع الأرزاق وتشريد العائلات، للمزيد من تقوية التسلط والاستبداد الإداري وتفرج القضاء على الواقع المر؛ وقضية عبد الحق اكباوي، التي نتناولها في ملف هذا العدد، واحدة من القضايا التي من شأنها أن تزيح الستار عن أحد وجوه هذا الواقع المر المسكوت عنه، ما دامت هي نازلة تعكس بجلاء ارتباطها بمصالح يراد الدفاع عنها بأي ثمن، ولو بالدوس على حقوق الآخرين، بالتواطؤ واستغلال هفوات القانون.
الفساد والرشوة داخل البيت الجمركي، من أعلى الهرم إلى أسفله، تجاوزا مفهوم الظاهرة والتجريد، وتأصلا ليغدوا أكثر من عادة اجتماعية أو “قاعدة” علائقية، وبذلك تجاوز البحث بخصوصهما البيت الجمركي إلى وزارة المالية ومنها إلى السياسة باعتبارها نتاج منظومة “سوسيو سياسية” حولت كل شيء في الدولة والمجتمع إلى آليات للثراء غير المشروع، يديرها ويوظفها من بيدهم مقود مراكز ودوائر صناعة القرار، هذا المقود الذي يوفر لهم القدرة على ارتكاب الإثم والظلم والجور دون خوف من العقاب؛ وحالة الحساب المشترك، الجزء الثاني من ملف هذا العدد، من شأنه إبراز جوانب عديدة من هذا الموقع.
وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أمر هام حول طبيعة وماهية الفساد والرشوة المستشريان في جسم الجمارك ببلادنا، من حيث إن جذوره لا تنمو بطريقة عادية (من تحت إلى فوق) إنها تتجذر من فوق (في صفوف المسؤولين الكبار)، ومن ثمة تتفرع منحدرة إلى تحت، كما تدل على ذلك حالة عبد الحق اكباوي، والتي هي حالة من بين حالات أخرى متعددة المظاهر ومختلفة الدواعي والتخريجات، لكن مآلها واحد، الدوس على الحقوق وقطع الأرزاق وتشريد العائلات للتستر على الفساد واستدامته بقوة النفوذ، واستنادا أحيانا إلى قوانين مفصلة حسب المقاس لخدمة جيوب بعينها، وبالتالي فإن استئصال الفساد وجب أن يسلك نفس الاتجاه، من فوق إلى تحت وليس العكس، بتقديم أكباش فداء من صغار الجمركيين حتى ولو أدى ذلك إلى الظلم والتعسف في محاولة إظهار أن الدولة بالمرصاد لكل فاسد ومفسد، في حين يلاحظ أن هناك حماية واضحة، وغير مشروطة، لاستمرار آليات الفساد ودواعيه.. ولعل عدم إخضاع الحساب المشترك، واستمرار وجوده على هامش القانون، أحد المؤشرات على استمرار دوران رحى الفساد والإثراء غير الشرعي على حساب الشأن العام، أراد من أراد وكره من كره مهما تلونت التبريرات، ما دامت الملايين من مال الشعب يتم التصرف فيها في الظلام من طرف دائرة ضيقة، تخول لها وضعية عدم قانونية ذلك الحساب أن تفعل بتلك الملايير ما يحلو لها بدون حسيب ولا رقيب، وهذا أمر من السهل أن يأخذ شكل جريمة اقتصادية جسيمة في حق الشعب المغربي بأجياله الماضية والحالية واللاحقة، لاسيما وأن نهب أموال هذا الحساب المشترك بدأ منذ سنة 1966 في ظروف استثنائية، على هامش الأضواء والشفافية، ولازال الحال مستمرا إلى حد الآن، وما دام الأمر كذلك، فمن المشروع أن يشعر المرء بأن كل الإجراءات واستعراض النوايا الحسنة التي يعلن عنها بصدد استئصال الفساد والرشوة بالبيت الجمركي، قد تكون غير صادقة القرار والتوجه وفاشلة، ويعرف القائمون على الجمارك ببلادنا هذا الواقع حق المعرفة، ولعل انعزال المدير العام الحالي في مكتبه هو إحدى المؤشرات الجلية على قوة اللوبي المتحكم في الجسم الجمركي بالمغرب

الحساب المشترك
“الطريق السيار” لنهب وهدر المال العام

يبدو للوهلة الأولى أن الحساب المشترك كبئر يغترف منه المال العام لتمويل “مبررات الإدارة”، وعندما سألنا أحد أطر البيت الجمركي عن المقصود بـ “مبررات الإدارة” قال: “هو كل شيء يتطلب صرف أموال مهما كانت مبالغها، وبعبارة أخرى، هي تغليف للنهب والهدر بدون حسيب ولا رقيب”، فهل الحساب المشترك، الذي أسال الكثير من المداد واللعاب دون أن يحرك القائمون على الأمور ساكنا، يعتبر بمثابة “الطريق السيار” لنهب وهدر المال العام، أي صرف أموال الحساب المشترك في غير ما يخصص له؟
لا يخفى على أحد الآن أن الحساب المشترك عرف نهبا وهدرا مفضوحين للمال العام على امتداد 4 عقود، ملايير الدراهم تبخرت منذ نشأته أواسط الستينيات ولازالت تهدر إلى الآن، ولم يكن يوما موضوع مراقبة، ولم يسبق أن خضع أي واحد من آمري صرفه للمساءلة، ولم يسبق للشعب المغربي ولا لنوابه بالبرلمان أن عرفوا شيئا بخصوص تدبير شؤونه وصرفه والذي ظل يتم في الظل بين المدير العام للجمارك ووزير المالية دون الخضوع لأي ترتيبات شفافة، رغم أنه احتضن الملايير، كما أنه لم يسبق أن كان يوما موضوع مراقبة، قبلية أو بعدية، من طرف المجلس الأعلى للحسابات رغم أن هذه الأموال هي مال الشعب.

النشأة

في الأصل تم إحداث الحساب المشترك لمساعدة الجمعية الجمركية وتقديم تعويضات وخدمات اجتماعية لموظفي الجمارك، وكانت نشأته بمقتضى قرار من وزير المالية رقم 335 – 66 بتاريخ 8 يونيو 1966، المحدد لنظام توزيع منتوج المنازعات والمصالحات والمحجوزات في مادة المخالفات القانونية للجمارك والضرائب غير المباشرة، وكان هذا التأسيس في ظروف استثنائية (حالة الاستثناء في ظل غياب المؤسسة التشريعية).
وإذا كان قرار النشأة قد اعتمد على ظهير 16/12/1918 المتعلق بالجمارك، فإن هذا الأخير قد ألغي بمقتضى ظهير 1977 والذي لم ينص ولم يشر للحساب المشترك ولا لنص مرتبط به، وهذا وضع يدعو إلى التساؤل، لاسيما وأن ذلك الحساب أحدث في ظروف استثنائية.
وكان من الأولى، حينما خرجت البلاد من حالة الاستثناء، أن يعرض على البرلمان لتحيين مقتضياته، في ظل القانون والشرعية، عوض العمل به خارج إطار الشرعية، اعتمادا على مذكرات ومنشورات، ما دام الأمر لا يهم إجراءا من الإجراءات، وإنما يتعلق في جزء كبير منه بالمال العام (مال الشعب) والذي يقدر بملايير الدراهم.

توزيع الغرامات

هناك نسبة مئوية من مداخيل الغرامات تذهب إلى الخزينة العامة ونسبة خاصة بالحساب المشترك ونسبة أخرى مرصودة للجمعيات، إذ يتم توزيع منتوج الغرامات على الشكل التالي:
45 في المائة للخزينة العامة
15 في المائة للجمعيات والأعمال الاجتماعية ومبررات الإدارة
10 في المائة للحساب المشترك
20 في المائة للحاجزين والمتدخلين من الجمارك
5 في المائة للرؤساء والقباض
5 في المائة لتشجيع الجمركيين المتميزين في أعمالهم.
وهناك بعض الاقتطاعات الأخرى لا يعرف أين ترصد وكيف تصرف؟ على سبيل المثال لا الحصر، هناك 100 درهم تقتطع من كل غرامة، وهو مبلغ مؤدى كرسم يدعى “رسم الإعلاميات”، أين يذهب وكيف يصرف؟ الله أعلم.

هل يقتصر تمويل الحساب المشترك على حصة الغرامات؟

القاعدة القانونية التي يقر بها جميع فقهاء القانون الإداري، هي أنه لا يصح وضع أموال في حساب، غير منصوص عليها في النصوص المؤسسة للحساب، باعتبار أن مصادر تمويل الحساب يجب أن تكون معلومة ومعروفة ومحددة بنص، وبالتالي لا يمكن أن يأتي شخص ويضيف مداخيل أخرى بدون نص قانوني، وارتكازا على هذا المعطى لا يحق للآمر بالصرف أن يقبل تمويل الحساب القائم عليه بمصادر غير منصوص عليها سلفا، بالأحرى أن يقوم هو بإقرار مصادر أخرى.
لكن هذا ما قام به المدير العام السابق للجمارك عبد الرزاق المصدق، بتزكية ومباركة وزير المالية الحالي.
بالرجوع إلى النص المحدث للحساب المشترك، نجد أنه ممول من قضايا المنازعات والمحجوزات والضريبة على الاستهلاك الداخلي المضافة إلى ثمن بيع بعض المواد الاستهلاكية المحجوزة (كالسكر مثلا).
ومن المعلوم أن قضايا المنازعات الجمركية على الصعيد الوطني كثيرة وتهم مبالغ مهمة، وعلى سبيل الاستئناس قضية المغني المغربي اليهودي، كوهن بنحاس، المتورط في تهريب العملة الصعبة، أسفرت عن غرامة قدرها 3 مليارات سنتيما (علما أن حجم الغرامة الحقيقي هو 15 مليار سنتيم)، تعود منها 10 في المائة للحساب المشترك.
وبالرغم من أنه لا وجود لنص قانوني يرخص بذلك، تقرر منذ مدة طويلة إضافة مصدر تمويل جديد للحساب المشترك وبطريقة تكرس نوعا من الحيف، إذ أضحت تقتطع نسبة 60 في المائة من الساعات الجزافية للجمركيين (ساعات العمل الإضافية).
هذا ما أقره المدير العام للجمارك بتزكية ومباركة من وزير المالية، وذلك بمقتضى مذكرة إدارية، علما أن المذكرات الإدارية، في عرف فقهاء القانون، لا يمكنها، بأي وجه من الوجوه، إضافة جديد إلى ما هو كائن، ما دام أن دورها ينحصر في شرح ما هو قائم، وهذا أمر تم المرور عليه مرور الكرام رغم مساسه بجوهر دولة المؤسسات ودولة القانون، لكن هذا ليس غريبا بالمغرب، باعتبار أن مهندسي هذا الإجراء هم من ذوي عقلية مغرب الأمس، الموصوفة بسيادة “قانون الدولة” عوض “دولة القانون”، بالرغم من أن هذا الإجراء طبق في فترة قيل فيها إن المغرب قد قطع الوصال مع تلك العقلية. ألا يعني استمرار وجود الحساب المشترك وطريقة تدبير أمواله الطائلة، البرهنة على عدم إحداث قطيعة مع هذه العقلية؟

أموال الحساب المشترك

تقدر أموال هذا الحساب بالملايير، إلا أنه لم يسبق أن تم الكشف عنها، وقد حان الوقت لضرورة اعتماد الشفافية بهذا الخصوص والتفكير في طريقة الكشف عنها للشعب المغربي حتى يعلم مقدارها ويتمكن من تقييم جدوى استعمالاتها والأغراض المخصصة لها.
إن القاعدة بخصوص هذا الحساب هو التعتيم كأن الأمر يتعلق بسر من أسرار الدولة، إذ أن المعلومات بخصوصه ناذرة جدا وصعبة المنال.
ففي ما بين 1999 و2004 تم صرف ما يناهز 160 مليار، لم يظهر منها إلا 3 ملايير، استعملت لاقتناء عقار كائن أمام الجماعة الحضرية بالصخور السوداء بالدار البيضاء، وهو الذي يأوي حاليا مصلحة الضرائب. علما أن ملكية هذا العقار ترجع إلى والد محمد برادة (الوزير السابق للمالية)، اقتنته الجمعية الجمركية لفائدة إدارة الجمارك، إلا أنها لم تتمكن من تملكه في اسمها، لخلل يشوب الوثائق الأصلية للملكية، لذا رفض المحافظ على الأملاك العقارية والرهون استكمال مسطرة تحفيظ ذلك العقار في اسم الجمعية.
كما تم تحويل 26 مليار سنتيما للجمعية لبناء العمارة الكائنة بتكنوبارك بالقرب من مرجان، و5 مليارات لكراء بناية “لاسافط” وتجهيزها، و10 مليارات خصصت كدفعة من أجل التقاعد التكميلي للموظفين، هذا كل ما ظهر من 160 مليار التي صرفت في مدة لا تتجاوز 5 سنوات، علما أن الجزء الأكبر منها تم صرفه تحت غطاء “مبررات الإدارة”.
واعتبارا لطبيعة مصادر تمويله الأصلي وتلك التي أضافها عبد الرزاق المصدق، بمباركة وتزكية فتح الله والعلو، فإن الحساب المشترك ظل يراكم الأموال التي لازالت تهدر اعتمادا على نفس الطرق.

علاقة الحساب المشترك بالجمعية الجمركية وطرق هدر أمواله

لا زال الحساب المشترك بمثابة “طريق سيار” لهدر المال بواسطة الجمعية الجمركية، والطريقة الأكثر استعمالا للتصرف بمأمن في أموال الحساب المشترك، هي طريقة واحدة لا ثاني لها، تحويل مبالغ مالية مهمة للجمعية الجمركية لتخصيصها لأغراض محددة مسبقا قبل إجراء التحويل، كأن الجمعية أحدثت أصلا لتشكل إطارا لصرف الأموال. ومن الأمثلة البارزة لهدر أموال الحساب المشترك بواسطة الجمعية، يمكن ذكر، على سبيل المثال، توظيفات غير قانونية، كتوظيف متقاعد بأجر يفوق 2.5 مليون سنتيم شهريا دون احتساب المكافآت الدورية وتغطية السفريات حسب مزاج المسؤولين ورغباتهم، واقتناء تجهيزات خاصة دون احترام مقتضيات الصفقات العمومية وتقديم الهدايا الثمينة وغيرها من سبل هدر المال العام.
إلا أن الجمعية الجمركية نفسها لازالت موضوع تساؤلات كثيرة، إذ بعد أول انتخاباتها، منذ نشأتها، والتي أجريت سنة 1994 بعد حرب طاحنة مع إدارة الجمارك، تمت المصادقة على تقاريرها المالية للسنوات الفارطة بتحفظ كبير وبدون تحديد مدة التحفظ، وإلى حد الساعة جميع تلك الحسابات مازالت محفوظة بالخزينة العامة، إذ لم يستطع أحد الاقتراب منها، وكان من المفروض على المكتب المنتخب الاطلاع على تلك الحسابات أو تعيين خبير لتمحيصها من أجل تبرئة الذمة. ويبدو من الصعب قبول تحقيق ذلك لأن أموال الحساب المشترك ومداخيله ظلت تمر عن طريق الجمعية من أجل هدرها وتبديرها، وكذلك نهبها، بدعوى العمل الجمعوي ومبررات الإدارة، علما أن الإدارة مازالت إلى حد الآن تتحكم في كل صغيرة وكبيرة بالجمعية وتسيطر عليها بفضل مجموعة من الموظفين ألحقتهم بها بصفة دائمة، وهذا يعد خرقا سافرا لقانون الإلحاق الجاري به العمل.
وحسب جملة من المحللين الاقتصاديين، إن طبيعة تدبير الحساب المشترك لا يمكنها أن تتماشى مع ضوابط الشفافية ومقتضيات الحكامة، باعتبار أن نهج تسييره غير واضح وغير مرئي، والمتحكم فيه شخص واحد أو شخصان، وآليات مراقبته، سواء القبلية منها أو البعدية، لازالت معطلة، رغم أن الأمر يهم أموال الشعب التي تصرف في مجالات لا يعلمها هو ولا نوابه بالبرلمان، فإذا كان هذا الوضع يتماشى مع الأوضاع الاستثنائية، فإن ذلك لم يعد مقبولا في ظل دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات الساعية للإقرار بالشفافية.
ولازالت إدارة الجمارك الإدارة العمومية الوحيدة التي تتوفر على حساب مثل الحساب المشترك، والذي فصل وخيط على مقاس المدير العام للجمارك، وهو الآمر بالصرف الوحيد بخصوصه، وذلك بمقتضى قرار وزير المالية وليس بمقتضى مرسوم الوزير الأول أو بمقتضى ظهير كما هو من المفروض أن يكون.

المراقبة

نظريا، إن الفصل 73 من القانون المنظم للمجلس الأعلى للحسابات يجعل الحساب المشترك والجمعية الجمركية خاضعين لمراقبته. لأن هذا المجلس يراقب جميع المداخيل والمصاريف العمومية، ومداخيل الحساب المشترك هي مداخيل عمومية بامتياز، لكن هل يخضع عمليا لهذه المراقبة؟
بالرغم من أن المساءلة والمحاسبة مرتبطتان ارتباطا عضويا بتحمل المسؤولية وتتمفصلان معها، باعتبار ان المسؤولية لن تستقيم بغياب المراقبة والمحاسبة والمساءلة، إلا أنه بخصوص الحساب المشترك سادت، ولازالت، ثقافة عدم المراقبة والمحاسبة وتغييبها، وهي ثقافة كرسها المخزن وأجهزته وآلياته ودواليبه، لقد تم تغييب ثقافة المراقبة والمحاسبة والمساءلة إراديا بخصوص هذا الحساب بالذات، رغم أنه يتصرف في أموال طائلة تكاد توازي إحدى ميزانيات الدولة في تراكمها أحيانا.
هذا الوضع ساهم في تشجيع العديد من المسؤوليين على الاهتمام بمصالحهم الشخصية وتحصين وتنمية امتيازاتهم وتوسيع معاملاتهم المالية والتجارية والعقارية على حساب مال الشعب الذي ظل يمول الحساب المشترك، والآن وقد كثر الحديث عن تخليق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلا بد من العلم أنه لا تخليق بدون إرساء ثقافة المراقبة والمحاسبة والمساءلة، لكن هل يمكن مساءلة من ظلوا يغترفون من هذا الحساب بدون حسيب ولا رقيب، رغم أن روائح فسادهم ظلت تزكم الأنوف على امتداد عقود؟ هذا هو السؤال الآن.
للوهلة الأولى يبدو أن الأمر صعب جدا، لأن هناك أسماء وازنة ارتبطت بتدبير الحساب المشترك، وعلى رأسها كل وزراء المالية الذين تعاقبوا على تحمل مسؤولية تدبير المال العام ومعهم كل المدراء العامين للجمارك منذ 1966، وطبعا من المستحيل مساءلة هؤلاء، لكن تماشيا مع سياسة الممكن، ليس هناك أي مانع للشروع في إرساء ثقافة المراقبة والمساءلة والمحاسبة التي مازالت غير مكرسة في تدبير الحساب المشترك الذي يهم الملايير المقتطعة من مال الشعب.
فهل يمكن بلوغ هذا الهدف تلقائيا، أم أن الأمر أضحى يستوجب تدخل الملك، حتى يقوم المجلس الأعلى للحسابات بدوره كخطوة أولى، علما أن الحساب المشترك لم يسبق أن سمعنا على أنه خضع لتلك المراقبة وحظي بتبرئة الذمة، وذلك منذ نشأته سنة 1966.

هل المطلوب إجراء تحقيق؟

منذ فجر “العهد الجديد” طالبت بعض الأصوات بإجراء تحقيق بخصوص الحساب المشترك، ولحد الآن، رغم الفضائح التي تراكمت على امتداد سنوات، مازالت لم تحضر بعد الشجاعة لتسليط الأضواء على هذا الحساب، خوفا من انكشاف فضائح لا تخطر على بال. وفي هذا الصدد يقول أحد العارفين بخبايا هذا الحساب، إذا كانت الدولة منطقية مع نفسها، عليها أن تختار بين أمرين اثنين، إما إلغاء الحساب المشترك وإما تسليط الأضواء الكاشفة على نهج تدبيره وجهة صرف أمواله، عوض تركه بين أيدي بعض الأشخاص القلائل يبدرون أمواله في الظل بدون حسيب ولا رقيب، لأنه في واقع الأمر،، ميزانية في قلب ميزانية، اعتبارا لأهمية الأموال التي يراكمها بفعل ضخامة مداخيله المستدامة.
إن ما نهب وأهدر من مال الحساب المشترك يفوق بكثير مجموع الأموال المنهوبة والمهدورة المرتبطة بالملفات المعروضة على أنظار القضاء، أليس هذا كاف وزيادة ليقوم نواب الأمة بالمطالبة بتشكيل لجنة، لتقصي الحقائق من أجل الوقوف على خبايا هذا الحساب المشترك كآلية لنهب وهدر المال العام، ولعل هذا أول عمل وجب أن يقوم به البرلمان الذي سوف ينبثق من الاستحقاقات القادمة، إذا كانت له فعلا رغبة حقيقية في تخليق الحياة العامة والتصدي لبؤرة هدر مال الشعب، كما تجدر الإشارة كذلك إلى استفسار المجلس الأعلى للحسابات حول أسباب عدم القيام بمراقبة هذا الحساب.
كما أن هناك من المهتمين من يتساءل لماذا لم يسبق لوزير المالية، ولو مرة واحدة، أن أمر بتفحص التدبير المالي للحساب المشترك، علما أن أول ظهور له في البرلمان، بعد استوزاره لأول مرة، صال وجال في الحديث عن كشوفاته بخصوص الصناديق السوداء وحسابات “سيكما” التي كانت تشتغل في الظل، وذلك لتبيان كيف كان وزراء المالية الذين سبقوه يدبرون شؤون المال العام، ولم يترك ركنا إلا وسلط عليه الضوء بهذا الخصوص، فلماذا لم يقم بالمثل فيما يتعلق بالحساب المشترك رغم الشبهات التي ظلت تحيط بتدبير أمواله؟ بل لماذا لم يسبق له أن طالب بعرض حساباته على المجلس الأعلى للحسابات أو على المفتشية العامة للمالية بالرغم مما قيل عن تدبيره؟
وبعد هذا وذاك، لماذا عرضت ملفات القرض الفلاحي، والبنك الشعبي، والقرض السياحي والعقاري، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والبنك الوطني للانماء الاقتصادي، والمطاعم المدرسية، ومكتب تنمية التعاون، ومحافظ القصر الملكي وغيرها على أنظار القضاء، وظلت فضائح الجمارك متستر عليها؟

على سبيل الخلاصة

لا يتماشى نمط تدبير الحساب المشترك مع تخليق الحياة العامة والتصدي لهدر المال العام، لأنه ليس محاطا بأدنى درجة من الشفافية، إذ لا يعقل أن تكون هناك شفافية وأموال تصرف على أنها تعويضات مخبرين، في الوقت الذي لا أحد يعلم إن كان هناك مخبرون أولا، ولا يعقل أن تكون هناك شفافية بإزاء صفقات دون إعلان وإشعار، ولا يعقل أن تكون هناك شفافية وحسابات الجمعية الجمركية للفترة ما بين 1973 و1994 لازالت مجمدة، علما أنها من الحساب المشترك الذي جعله البعض مجرد مظلة للاغتناء وقضاء المصالح الشخصية.
إعادة هيكلة إدارة الجمارك
يعتبر البعض أن إعادة هيكلة إدارة الجمارك تعد نقطة سوداء في مشوار وزير المالية الحالي، إذ ساهم، حسب رأيهم، بمعية المدير العام السابق للجمارك والضرائب غير المباشرة، في تمرير قرار ضرب عرض الحائط بالمرسوم الذي يعتبر أهم نص قانوني بعد الظهير الملكي، وذلك باعتماد هيكلة جديدة يرونها غير قانونية وجب شرعنتها الآن.
فهل هذه الهيكلة غير قانونية؟
قد يبدو هذا التساؤل غريبا في نظر الكثيرين، ذلك أن المرسوم الأصلي لإنشاء إدارة الجمارك حددها في مديريتين، وهذا نص قانوني لا غبار عليه. أما منشور وزير المالية الذي أقر بإعادة الهيكلة، لا زال في انتظار المصادقة على محتوى المرسوم المتعلق بإسناد المهام، علما أن المنشور المذكور لم تتم المصادقة عليه ولم ينشر بالجريدة الرسمية ولم يعرض على البرلمان، وهذا المنشور رفع عدد مديريات الجمارك من 2 إلى 4، وعدد الأقسام من 4 إلى 10 وعدد المصالح من 10 إلى 36، لكن هل تعيين مديري المديريات الجديدة خضع لمقتضيات الظهير رقم 205-99-1 المؤرخ في 29/9/1999 والمتعلق بتفويض سلط التعيين، علما أنه يقر بأن تعيين المديرين العامين ومديري الإدارات المركزية يتم بظهير، فهل مدراء إدارة الجمارك معينون بظهير؟

الأتاوات

أكد لنا أكثر من مصدر من قلب البيت الجمركي أن هناك “شبه تسعيرة” معمول بها بخصوص الأتاوات المسلمة من طرف المرؤوسين إلى الرؤساء، ومن طرف المعشرين إلى المسؤولين، وهي “ضريبة مستدامة” تؤدى للحفاظ على “المواقع النافعة في عرف الجمركيين”، وهي المهام والمناصب والتكليفات وأماكن العمل التي تذر على صاحبها الأموال.
وحسب أحد المصادر المطلعة قد تفوق الأتاوات 5 ملايين سنتيم شهريا بالشمال، أما بميناء الدار البيضاء فتتراوح ما بين 0.5 ومليون سنتيم أسبوعيا حسب الظرفية، لكنها لا تقل عن 5000 درهم بالنسبة للرؤساء، وهناك أيضا أتاوات أسبوعية تؤدى للرؤساء على الأتاوات الشهرية، وهناك أيضا أتاوات شهرية يقدمها المعشرون للرؤساء والمسؤولين بإدارة الجمارك المركزية والجهوية، وفيها نصيب للرؤساء والمسؤولين، رجال ثقة الرؤساء.
وهناك حالات عاين فيها جمركيون بعض المعشرين دخلوا إلى مكاتب الرؤساء وبعد خروجهم صرح بعضهم بالمبلغ المسلم، والغريب في الأمر أن جملة من المسؤولين تورطوا في قضايا واضحة، وهناك منهم من صدرت في حقهم أحكام قضائية، ظلوا يحتلون مواقع أو رجعوا إلى مناصبهم، منهم أحد المتورطين في فضيحة “ربطات العنق” بمطار محمد الخامس ليتم تعيينه بالشمال، وآخر تورط في قضية الجلد بميناء الدار البيضاء وتم تعيينه بالعاصمة، وآخر تورط في قضية حاويات “الأحذية الرياضية” تم تعيينه هو كذلك في موقع المسؤولية، كل هؤلاء تورطوا مع معشرين أضحوا يتوفرون على لوبي قوي، وآخرون رجعوا إلى عملهم بعد العفو ورغم صدور أحكام في حقهم، علما أن العفو لا يمحو العقوبة، وأغلب هؤلاء أصبحوا الآن من الأثرياء.

“المخبر” سبيل إلى تحويل مبالغ مالية مهمة

من القضايا التي تحوم حولها تساؤلات وشكوك، إشكالية “نصيب المخبرين من الغرامات”، علما أن المخبر لا يتوصل بحوالة باسمه، إذ يظل مجهول الهوية بالنسبة للإدارة، منذ انطلاق العملية حتى توزيع الغرامة، وقد تكون المبالغ المراد تسليمها مهمة حسب طبيعة القضية أو النازلة.
وحسب أحد المصادر الجمركية، عندما يحين وقت توزيع الغرامة يتم التنصيص على نصيب المخبر، ويتوصل الرئيس (المسؤول) بحوالة مالية شخصية بمبلغ نصيب المخبر، وعلى الرئيس استدعاء هذا الأخير، لأنه هو الذي يعرفه دون سواه، ويطالبه بالإدلاء ببطاقته الوطنية قبل أن يوقع وصل تسليم المبلغ المعني لفلان أو علان، اعتبارا لغياب الشفافية وعدم الدقة في المسطرة المعتمدة، وهذا ما ساعد كثيرا على التلاعب في هذا المجال.
إن نصيب المخبرين في الغرامات يتم توزيعه في واقع الأمر على مخبرين مختلقين، من أقارب وأحباب ومعارف المسؤولين، فبخصوص غرامة 20 ألف درهم يحصل المخبر على 5000 درهم، ويصل هذا النصيب أحيانا إلى 6000 درهم مع غرامة قدرها 40 ألف درهم، و7000 درهم إذا وصلت إلى 60 ألف درهم، و8000 درهم بخصوص غرامة 80 ألف درهم، وقد يصل نصيب المخبر إلى 10 ألف درهم وما فوق إذا تجاوزت الغرامة 100 ألف درهم.
وحسب هذا المصدر، هناك نوازل كثيرة تؤكد أنه تم التلاعب بخصوص نصيب المخبرين والتي سلمت للأقربين والأهل والأصحاب أو الأشخاص المتفق معهم مسبقا على عمولة مقابل قبول تقمص دور المخبر، لاسيما عندما يتعلق الأمر بقضايا مهمة.
لذلك طالبت بعض الجهات تحديد ذلك المخبر منذ البداية، ضمانا للمصداقية وتلافيا للشكوك وتوخيا لعقلنة صرف المال العام.
على سبيل الختم لأن للكلام بقية
إن الفساد واستغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة والرشوة المستشرية في الجسم الجمركي، ليست ظواهر يمكن أن تزول بإجراءات ارتجالية هنا وهناك، لأنها في واقع الأمر، منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية، وبالتالي أضحت تتطلب قوى وآليات غير تلك التي ترعرعت ونمت داخل مؤسسة الفساد حتى باتت جزءا عضويا منه.
على أية حال، لم يعد اثنان بالمغرب يختلفان على أن الفساد والرشوة يضربان أطنابهما في البيت الجمركي من أعلى الهرم، وبالتالي إذا كانت هناك رغبة فعلية في استئصال الفساد من هذا الجسم، وجب البدء من فوق أولا، من المصادر التي أسست له وقعدته واستفادت ولازالت تستفيد منه، وبلورت آليات وفصلت تدبير تنظيمه على مقاسها وأعادت هيكلة الجسم لدوام استفادتها، ولعل أول إجراء وجب القيام به هو اعتماد الشفافية بخصوص الحساب المشترك ونشر حساباته، ومداخيله، ومصاريفه كل سنة، لتصبح علانية، لأن الأمر يهم مال الشعب، إذ من اللازم أن يكون على بينة بكل أمور صرفه؟ ومن المستفيد منه؟ وما هو مدخل هذه الاستفادة؟ لأنه كفى نهبا وتبديرا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق